قضايا ومتابعات

سقوط الرهانات .. الحريري لا لحكومة ” كيف ما كان ” !!
خالد صالح

مناطق نت – البقاع

يُقال أنّ توماس أديسون حينما سُئلَ عن فشله ألفَ مرةٍ قبل التوصّل إلى اختراعه المصباح قال: “أنا لم أفشل ألفَ مرة بل اكتشفتُ ألفَ طريقة لا تودي إلى اختراع المصباح ” ..

منذ تكليفه تشكيلَ الحكومة اللبنانية الجديدة سِيقت بحقّ الرئيس المكلّف سعد الحريري الكثير من الإتهامات المغلوطة وغير السويّة في آن، إتهامات كان المقصود منها الدفع بخيارين على طاولة الحريري، إما الرضوخ والتنازل لصالح فريق رئيس الجمهورية، قصرًا وتيارًا، أو الاعتذار عن المهمة التي انبرى لها في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان ..

راهنَ كثيرون على أن الحريري لن يصمدَ طويلًا أمام التشدّد الذي لاقاه به عون قبل التكليف وبعده، معتمدين في رهاناتهم أولًا على فقدان “الكيمياء السياسية” بين الرجلين، وثانيًا على استعجاله العودة إلى السراي الكبير، بعد أن ساهمَ حراك 17 تشرين الأول 2019 في خروجه منها والتسبّب في هزّ دعائم “التسوية” الشهيرة، وأدّى إلى “إطلاق” نار سياسي متبادل بين الطرفين حتى إسقاط “الألف” من الكلمة فغدت ” طلاق” نهائي منذ خطاب الحريري في 14 شباط 2020، حين أودعها ذمة التاريخ ..

لعلّ التجارب السابقة التي مرّ بها الحريري خلال تشكيله لحكوماته الثلاث السابقة، دفعت المراهنين على رفع منسوب رهاناتهم بأنه سيتنازل أو يرضخ لشروط عون ومن خلفه رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، لاسيما أن العهد يضع في الحسبان أن هذه الحكومة متى “ولدت”، ستكون الأخيرة له وربما ستذهب بعيدًا حتى ما بعد نهاية ولاية رئيس الجمهورية، لذلك لابدّ من وضع اليد بالكامل عليها حاليًا متسلحين بـ “قوة التوقيع” للحصول على “الثلث المعطل”، لفرض قراءاتهم للمرحلة المقبلة خصوصًا إذا لم يحصل أي توافق على الرجل الجديد الذي سيدخل قصر بعبدا ..

لكن حسابات “حقل” المراهنين لم يكن مطابقًا لـ “بيدر” الحريري، لأنه فاتهم أن الدروس المستقاة التي حفظها غيبًا، شكّلت لديه قناعات راسخة أن هذا العهد عليك التعامل معه بأسلوبه لا بأسلوبك أنت على قاعدة “المقايضة”، وأن قضية تدوير الزوايا لا تنفع على الاطلاق، فالحريري أدرك معنى عبارة “حكّموا ضمائركم” التي أطلقها عون عشية الاستشارات النيابية بأن الرجل لا يريده في رئاسة الحكومة، وأنه إن قبل “على مضض” بالتكليف فهذا أمر قد يتعامل معه وفقًا لحساباته أثناء التأليف ..

أوساط متابعة للملف الحكومي فنّدت مسار “الاتهامات” بشكل مبسّط، إذ اعتبرت أن أولها كان ربط التأليف بنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية لأن الحريري يخشى العقوبات في حال مشاركة حزب الله في الحكومة، مباشرة أو مواربة، لهذا سينتظر رحيل ترامب ليبني على الشيء مقتضاه، وسرعان ما سقط هذا الاتهام، فأحالوه إلى الملف النووي الإيراني وعودة المفاوضات بشأنه مع مجموعة الخمسة زائد واحد، وأن الملف الحكومي اللبناني ورقة بيد طهران ستفرج عنها متى حصلت على المقابل، فتهاوى هذا الأمر حين بدأت المشكلة تنحصر في الداخل ..

تضيف الأوساط: ” ثم طفت على سطح المراهنات مسألة “الزيارات الخارجية” وأن الحريري يسعى لـ “فتح” باب الرياض الموصد أمامه حسب رؤيتهم، وأنه لن يُقدِم على تشكيل الحكومة قبل الحصول على الضوء الأخضر من السعودية، على حكومة يُسمّي فيها “حزب الله” وزراءه أو على الأقل يوافق على التسميات، لأن “كباش” المحاور الدولية والاقليمية ما زال تأثيره شديدًا على الساحة اللبنانية، برغم كل الكلام الخارجي عن ترك اللبنانيين يعالجون مشكلتهم بأنفسهم من دون تدخلات في تشكيل الحكومة، وسقط الرهان أيضًا، لأنه ببساطة كان من الممكن “إحراج” الحريري من خلال التوقيع على التشكيلة التي قدمها منذ قرابة الشهرين” ..

وتقول الأوساط: “لم ينفع تسويق هذه الرهانات في “ليّ ذراع” الرئيس المكلّف، بل زاده إصرارًا على مواصلة المهمة، ليبدأ سيل آخر من الاتهامات، تبدأ من نيته جعل رئيس الجمهورية مجرّدا من صلاحياته وتحويله إلى “باش كاتب” وتنتهي بالمعزوفة الدائمة “حقوق المسيحيين” رغم أن الحريري من اشد الحريصين على تطبيق وثيقة الوفاق الوطني – الطائف، وهو الذي يعتبر نفسه أمينًا عليها، وأن المشاركة الفاعلة والفعلية مؤمّنة من خلال المناصفة ولا يمكن المساس بالصيغة التي توافق عليها اللبنانيون” ..

وتختم الأوساط: ” أيقن الحريري أن الالتزام التام بمندرجات المبادرة الفرنسية لتشكيل حكومة المهمة، هو السبيل الوحيد أمام لبنان نحو الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل نحو الإنقاذ، وأي تهاون في هذا الشأن لن يحقق المراد، وأن حكومة الـ “كيف ما كان” ستزيد ” طين” الأزمات المستفحلة “بللًا”، فما سمعه من جولاته الخارجية من تأكيد على ضرورة تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين وغير حزبيين، زاده إصرارًا ويقينًا أن هكذا حكومة فقط سيكون بوسعها فتح “ثغرة” في الجدار السميك الذي فرضه المجتمع الدولي لمدّ يد المساعدة والانقاذ” ..

إن الدروس التي تعلّمها الرئيس المكلّف كانت قاسية جدًا، وهو الذي عبّر ذات يوم بأن ” المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين”، لم ينس بعد تجربة اسقاطه بالثلث المعطل والوزير الملك، ولم يغب عن باله اجتماعات وزارة الخارجية قبل اجتماعات مجلس الوزراء، وحريص جدًا على سير عمل الحكومة وفقًا للدستور وتحت رقابة المجلس النيابي، بلا مقايضات ولا مفاوضات مسبقة، ويرفض تمامًا اتخاذ القرارات المصيرية عبر “الواتساب”، لذلك يصرّعلى انتاج حكومة فعلية لا شكلية،  تقود إلى حل المشكلة وتفتح الباب أمام الانتقال بالبلد من التأزّم إلى الانفراج، لا أن تُقحمنا في مزيد من المشكلات نحن في غنى عنها، وبالتالي نُهدر الفرصة المتاحة أمامنا لوقف الانهيار ..

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى