قضايا ومتابعات

الحريري لن يعتذر .. الأزمة مفتوحة والأمن على كف عفريت !!
خالد صالح


مناطق نت – البقاع

كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حريصًا على سماع آخر “النكت” التي يطلقها الشارع، إذ كان يرى فيها رأي من لا صوت له، فـ “النكت” عادة تعكسُ هموم الناس وأوجاعهم وتعبّر عن احتياجاتهم ومطالبهم ..

في جهنم، اجتمعت الملكة أليزابيث الأولى مع جورج بوش الأب وأحد الرؤساء العرب (أطال الله بعمره)، ودخل عليهم “إبليس” وأخبرهم : يحقّ لكل واحد منكم مكالمة هاتفية إلى بلده، سارعت أليزابيث واتصلت بإنجلترا لخمس دقائق فكانت كلفة المخابرة خمسة ملايين جنيه، ثم حذا بوش حذوها واتصل بأميركا لعشر دقائق والكلفة وصلت لحدود عشرة ملايين دولار، أما الرئيس العربي فبعد اتصال مطوّل إلى بلده استمر لساعات كانت الكلفة دولار واحد فقط، وعندما سأل “إبليس” عن السبب، أجابه : إنها “مخابرة داخلية” من الجحيم إلى الجحيم ..

نسوق هذه “النكتة” للتعبير عن الحال المذرية التي بلغناها في لبنان، من دون أن يرفّ جفنٌ لمن يقفون في طريق آخر الفرص قبل “الانهيار” الشامل و “الانفجار”الكبير، بعدما بلغ الأمر حدّ الاقتتال على “كيس حليب” وسط تحليقٍ مخيف ومن دون ضوابط لسعر صرف الدولار، وأمام جملة قرارات تتعلق بالدولار الاستشفائي والجامعي خصوصًا فقدان الرواتب قيمتها بشكل كامل إذ بلغت قيمة الحد الأدنى للأجور الـ 65 دولارا ..

الكل يُجمع على ضرورة تشكيل حكومة بسرعة كي تتلقّف “كرة النار” المتدحرجة على أعناق اللبنانيين، وتتوالى المبادرات في سبيل حلحلة العقد الكأداء، لكنها لم ترتق إلى مستوىً يضعها على مسار التنفيذ، فحتى اللحظة يصرّ رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل القابض على دستورية التوقيع بـ “حزم” والإلتفاف على الواقع تحت مقولة “ما بدنا نشارك” علنًا، بينما يحاول تمرير شروطه التعجيزية لبلوغ أهدافه الرئيسية بـ “فكفكة” ألغام العقوبات الأميركية عليه أولًا، وعودة أسهمه للإرتفاع في سباق الرئاسة تاليًا..

مصادر متابعة لملف التشكيل الحكومي اعتبرت أن جهود باسيل تنصبُّ في إتجاهين، الأول ممارسة وضع العصي في الدواليب أمام الرئيس المكلّف لتقييده بصورة دستورية ودفعه إلى الانتحار السياسي من خلال حصوله على بعض التنازلات منه، أو إلى الاعتذار واستعادة قرار “التكليف” والشروع في التفاوض مع أي من الشخصيات التي ينتقيها وتقديمها لرئاسة الحكومة بعد انتراع الضمانات منها بكيفية ونوعية مشاركته في الحكومة ..

وترى المصادر أن باسيل أعياه هدوء الحريري في التعامل مع العقد “المصطنعة” عمدًا، لاسيما أنه صوّب بإتجاهه أكثر من مرة سواء بالمباشر أو عبر مكتبه الإعلامي، وعجز عن كسر صلابته بتمسكه بمضمون المبادرة الفرنسية، ولم تنفع كل التسريبات من “الغرف السوداء” التي أنشأها سواء في السنتر أو مؤخرًا في القصر الجمهوري في زعزعة موقف الحريري من رفضه الإتيان بحكومة كسابقاتها، وتصميمه على حكومة اختصاصيين مستقلين غير حزبيين ليقينه أنها الفرصة الوحيدة أمام لبنان للشروع بحوار صعب وقاس مع المجتمع الدولي ..

وتشير المصادر إلى أن الحريري مستمر في مهمته ولن يتراجع عنها، ومتمسك بالصيغة التي يعتبرها قادرة على محاكاة متطلبات وطموح اللبنانيين، رغم كل الضغوط التي مورست عليه للتراخي والقبول ببعض التنازلات لتسهيل ولادة الحكومة، فهو يرى أي أفق مسدود بلغته البلاد وأن تكرار إنتاج الحكومات السابقة هو مراوحة قاتلة وستكون عاجزة أمام الأوضاع المتردية التي يمر بها لبنان، لهذا لن يفرّط بـ “ورقة التكليف” من جهة، ولن يكرر تجربة الـ 2011 الماثلة أمامه من جهة ثانية ..

وتؤكد المصادر أن تأليف أي حكومة لا تتوافر فيها شروط النجاح داخليًا ولا تلقى غطاءً عربيًا ودوليا ستفاقم من عمق الأزمة اللبنانية، لأن إمكانيات الخروج من الانهيار ستكون معدومة، ومن وجهة نظر الحريري أيضا أن الحكومة التي تستند إلى المبادرة الفرنسية كتركيبة وزارية وبرنامج اقتصادي مالي هي المدخل الوحيد من أجل نيل ثقة المجتمع الدولي الذي يتوجه نحو لبنان من أجل مساعدته للخروج من أزمته ..

وتعتبر المصادر أن الحريري لن يعتذر لاسيما بعد أن خاض سلسلة من المواجهات المفتوحة مع رئيس الجمهورية ومن خلفه باسيل، وسيواصل مساعيه الداخلية للخروج من عنق الزجاجة التي ساق باسيل البلاد إليها، وقد أثبت الحريري صلابته في هذه المواجهات رغم تدنيها إلى مستوىً غير مسبوق في أسلوب التعاطي بين الرئاستين، بدءًا من كلمة عون عشية الاستشارات وانتهاءً باللوائح واللوائح المضادة، عدا عن انهيار الثقة بين الرجلين التي يبدو حتى اللحظة استحالة ترميمها في ظل تعنّت باسيل المتمترس في بعبدا و”المستقوي” بموقف حزب الله الملتبس حتى اللحظة من مسألة تشكيل الحكومة ..

وتختم المصادر بالقول أن ما يحصل مؤشرٌ حقيقي لجملة من المواجهات القاسية التي ستخوضها القوى السياسية في البلاد ونحن على مسافة سنة ونيف من الاستحقاق الدستوري الأهم الانتخابات النيابية، ومعارك “كسر العظم” حول قانونها، في ظل الحديث “همسًا” عن العمل لتمديد ولاية المجلس رغم التحذيرات الدولية التي وصلت من خطورة السير بهذا الأمر، والذي سيتسبب بمزيد من الأزمات على الصعد كافة، وسنشعر فعليا أننا في الجحيم، وأن العودة إلى الانتظام السياسي بات من سابع المستحيلات ..

الأزمة مفتوحة ومرشحة للاستمرار، فلا السعودية ولا إيران ولا فرنسا وأميركا لديهم “النية” حاليا للالتفات الكلي نحو لبنان، فمعضلات المنطقة أشد وأدهى والاستحقاقات الكبرى فيها ستكون الأولوية لها، لذا فإن واقعنا سيتواصل بل ربما يتأزم أكثر مع تفلّت “عقال” الدولار وانهيار الأمن الاجتماعي بصورة غير مسبوقة، والذي قد يشكل الفرصة لتصفيات أمنية خطيرة قد تضع لبنان أمام عاصفة لا تبقي ولا تذر ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى