مقالات

العشائرية والعائلية في بعلبك الهرمل..ماذا بقي منها؟

حسين حمية

هناك من يحاول ترسيخ التلازم بين الفلتان الأمني في منطقة بعلبك الهرمل والعشائر، ومؤدى هذه المعادلة السطحية، هو أن المنطقة غير مؤهلة لحكم القانون، وكلمة عشائر ولو زُينت بأوصاف الأصالة والكرامة والرجولة، غير أن المُراد فعلا من استحضارها، هو القول أن البعلبكيين لم يرتقوا لفكرة الدولة، كون العشائرية تقوم على ولاءات وانتماءات تقع ما تحت الوطنية، بينما سلطة الدولة تقتضي وجود مشاعر وعواطف قومية.

العشائر ما زالت في المنطقة، لكن غالبا ما يكون النظر إليها، وكأنها عصيّة على الزمن، أو كأن الدهر تجمّد عند النصف الأول من القرن الماضي، في حين عشائر الخمسينيات والستينيات والسبعينيات تكاد تنقرض في عشائر الألفية الثانية، إلا من رواسب قليلة وبعضها فولكلوري أو شيء من العلاقات العامة، لكن لا يخفى لماذا الإصرار على تحنيط مفهوم “العشائر” وإنكار ما طرأ عليه من تطورات وتبدلات جعلته يتصالح مع فكرة الدولة.

في أغلب المناطق تتحدد هوية الشخص بالسؤال الآتي: أنت من أي قرية؟ سؤال الهوية في بعلبك الهرمل: من أي عائلة أنت؟ غياب الانتماء للبلدة ليس تغليبا للعشائرية، تاريخيا هناك شريحة سكانية كبيرة في المنطقة انقطعت عن انتمائها المناطقي في جبل لبنان بعد عمليات التهجير الطائفية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وكانت ترفض أن يكون انتماؤها تبعا لأمكنة استيطانها الحديثة، وهذا يبرز في الميثاق الأمني التي توافق عليها سكان المنطقة سنة 1853 (نشرناه في مناطق نت) وقد كانا طرفاه الأول هو الحماديون (نسبة لآل حمادة والمقصود بالحمادية مجموعة من العائلات والعشائر التي قدمت من الجبل) والثاني هو البعلبكيون، وللتوضيح أكثر، في بلدة مقنة تقطن عشيرة المقداد منذ أكثر من مئة عام، مع ذلك هناك يتم التعبير عن الانقسام القروي بطرفين هما أهل مقنة (والمقصود به السكان الأوائل للبلدة) وآل المقداد (كأنهم لا يقرّون بالانتماء للبلدة). الانتماء للعائلة لم يكن على أرضية عشائرية خالصة، كان في جانب منه نوعا من التمسك بالانتماء للقرى والبلدات التي جرى تهجيرهم منها وإعادة انتاج تضامنهم للعودة، وإذ حدث الانصهار في المواطن الجديدة سقط المعنى وبقي الاسم.

كأي بنية عائلية في أي منطقة، دخلت عائلات وعشائر المنطقة في انقسام ثنائي ليس بالضرورة على غرار القيسيين واليمنيين، أنما بين الحزبين الحمادي (آل حمادة)  والحيدري (آل حيدر أو الحاج سليمان)، لكن مع الزمن، سرى قانون التفكيك ولو بتفاوت على البنية العشائرية في بعلبك الهرمل، كانت البداية مع تشظي الملكيات العقارية الكبيرة، وكانت تعود هذه الملكيات بمعظمها لزعماء العشائر، وتفتت بفعل الوراثة أو توزيعها أو بيعها للاستثمار في مجالات أكثر ربحا، مع هذا حافظت العشائر على وحدتها، .

بعد منتصف الخمسينيات نجحت الأحزاب العقائدية (القومي السوري، القوميين العرب،البعث، الشيوعي) في اختراق العشائر، وبدأت تبرز شخصيات وقيادات وخلايا حزبية من داخل العشائر، حتى أن العلاقات الرفاقية في الحزب الواحد لم تتوقف عند تجاوز الحواجز العائلية العشائرية فقط، إنما تخطت أيضا الخلافات الدموية بين هذه العائلات، وكان استمرار العلاقة الحزبية والرفاقية بين المرحوم محمد حرب وحبيب زغيب (البعثيين) على الرغم من الحرب العشائرية الشرسة التي أدمت عائلتيهما بالقتلى والجرحى، شاهدا وتأكيدا على قابلية أبناء المنطقة للخروج من الشرنقة العائلية والعشائرية وتلقف الأفكار الجديدة لإعادة صياغة إنسان المنطقة من خارج الهياكل القديمة.

وإذا كانت العشائرية والعائلية اغتذت من سيادة النمط الزراعي المغلق، فإنها مع بداية السبعينيات بدأ خريفها في المنطقة، بفعل انتشار الحزبية واتساع قاعدة التوظيف في مؤسسات الدولة وارتفاع نسبة الإقبال على التعلم، وتراجع دور المكتب الثاني في استخدام النعرات العائلية والعشائرية لكبح التمدد اليساري، وسهولة التواصل مع الخارج، إضافة إلى بروز مصالح جديدة تريد التفلت من القيد العائلي المقفل وحاجتها للاستثمار في أسواق تستقطب المزيد من المستهلكين وتغلب ثقافة السوق على عادات البداوة.

على تربة هذه التبدلات زرع السيد موسى الصدر ميثاقه الذي قلّص به الشريعة العشائرية والعائلية إلى أقصى حدودها، وما كان لميثاقه أن يحصد هذا الإجماع لولا وجود إرادة أهلية في المنطقة تريد الانعتاق من النظام القديم، وعلى الرغم من محاولات جهات سياسية في العقود الأربعة الأخيرة إعادة تعويم المناخ العشائري إلا أنها لم تنجح (سنتحدث لاحقا عن أشكال هذا التعويم)، لسبب بسيط، هو أن مصالح الناس بتضخمها وتشابكها وتداخلها لم تعد تستقيم إلا بسلطة القانون، لأن القانون وحده قادر على الإجابة على أي مشكلة يطرحها تضارب هذه المصالح أو اختلافها.

أنه ضرب من النفاق والدجل تصوير المنطقة بأنها تنقاد للقوانين العائلية والعشائرية، وحدها القوانين الوطنية هي مرجع الحقوق والواجبات في المنطقة، لكن المشكلة في مكان آخر، هو الفراغ الكبير الذي من المفترض أن تملأه الدولة بسلطتها وخدماتها وهيبتها وثقافتها، بينما تركته عمدا ولأسباب بعضها معروف، فهي تدرك أن السلطة ترفض الفراغ، فإذا لم يكن دولة، ستعود السلطة لمن هم تحت الدولة، فشباب العشيرة بديل رجال الأمن، والثأر بديل المحكمة، والتضامن العائلي يغني عن الضمان الاجتماعي.+

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق