قضايا ومتابعات

الاحتجاجات العراقية: مطلبية وخدماتية في البصرة وأمنية ونفطية في هلسنكي

حسين حمية

هناك ارتياب بدور إيراني مفترض في الأحداث التي تشهدها محافظة البصرة العراقية منذ اسبوع، والتي اتسع نطاقها لتشمل محافظات العمارة والسماوة والناصرية التي حاصر محتجون مقر إقامة المحافظ، وكربلاء والنجف أيضا التي شهدت اقتحام مطار المدينة من محتجين غاضبين في الساعات الأولى من ليل الجمعة 13 تموز، وتعطيل حركة الملاحة الجوية في المطار، والتي استؤنفت بعد انسحاب المحتجين.

تتباين بفروقات بسيطة مطالب المحتجين في هذه المناطق، وكلها تصنّف مطالب معيشية وحياتية وخدماتية، ويأتي في مقدمها حل أزمة الكهرباء، وإقامة مشاريع إنمائية، وحل مشكلة نقصان المياه العذبة وإعادة تأهيل البنى التحتية وإنشاء مشاريع تحلية المياه، وإيجاد فرص عمل جديدة بعد ارتفاع مستويات البطالة إلى معدلات مخيفة وأمور أخرى يعاني منها المواطن العراقي.

وإذا كانت مطالب المحتجين تتعلق بتدني مستوى الأداء الحكومي للدولة العراقية ولا تنطوي على مطالب سياسية، لكن حلها يتطلب في مكان ما مراجعة سياسية، باعتبار أن تفشي الفساد المالي والإداري واستغلال النفوذ وإساءة استخدام السلطة واستباحة مؤسسات الدولة، ترتبط بنهج المحاصصة الذي يتم اعتماده لتشكيل السلطة، ويفرض على رئيس الوزراء كقاعدة لإعداد طاقمه الحكومي، وهو يتطابق إلى حد كبير بالآلية المعتمدة في لبنان، حيث تجري تسمية الوزراء والوزارات المسندة إليهم من قبل الأحزاب الكبيرة، وعلى هذا الأساس تنال الثقة، وتتحول الحكومة نفسها إلى برلمان مصغر، واجتماعاتها إلى قاعة للمساومات وتبادل المنافع بين هذه الأحزاب، ما يعطل مبدأي المعارضة والمحاسبة اللذين من دونهما لا يستقيم أي عمل حكومي.

ومهما كان المحتجون صادقين في الدوافع المطلبية لتحركهم وبراءة توقيتها، إلا أن تفجرها في هذا الوقت سيجعلها تتحرك على عقارب ساعات مشاكل وأزمات أخرى يمر بها العراق والمنطقة، فالاحتجاجات على الأعم هي بمثابة انتفاضة على الطبقة السياسية العراقية برمتها، ولن تتوانى الدول التي تملك نفوذا في العراق وبالأخص إيران واميركا من محاولة توظيفها كل لمصلحته في الحراك الحكومي الذي ما زال متجمدا عند عقدتي تشكيل الكتلة الأكبر وتسمية رئيس الوزراء.

تعلق إيران كما أميركا أهمية كبرى على المذهب السياسي لرئيس الوزراء الجديد، في السابق كان هناك تقاسم بين الدولتين للميول السياسية لشخص رئيس الوزراء كما في حيدر العبادي، لكن تفاقم الصراع بينهما بعد انهيار الاتفاق النووي واستراتيجية واشنطن في خنق إيران اقتصاديا بالعقوبات الاقتصادية ومنعها من تصدير نفطها إضافة إلى تقليم أظفارها الإقليمية في سوريا ولبنان، جعل طهران ترتد على هذه الشراكة وتسعى من جانبها إلى فرض رئيس وزراء يلتزم بطلباتها حيال خط طهران بغداد دمشق بيروت، و الاتفاقية الأمنية بين بغداد وواشنطن، وللتنسيق معها في السياسة النفطية.

وهذه الطلبات ستكون ميدانا للتصارع الأميركي الإيراني في العراق، ويرجح الكفة بها موقف رئيس الوزراء، ففي هلسنكي واللقاء المرتقب غدا بين الرئيسين بوتين وترامب، سيكون الخط الإقليمي للسلاح الإيراني على جدول الأعمال، ولا يستبعد أن تربط واشنطن انسحاباتها من سوريا بإقفال هذا الخط عند الحدود العراقية السورية.

كما أن طهران لن تتوانى عن تهديد الأميركيين بإخراجهم من العراق بتحريض الحكومة الجديدة على إلغاء الاتفاقية الأمنية التي تشرّع الوجود العسكري الأميركي في بلاد الرافدين، وهناك قضية السوق النفطية والاستراتيجية التي ستتبعها إيران للالتفاف على الإجراءات الأميركية لمنعها من تصدير النفط أو تعريض السوق النفطية العالمية للاهتزازات، وليست مصادفة أن تكون بؤرة الاحتجاجات هي محافظة البصرة الغنية بالنفط والملاصقة لدولة الكويت النفطية، وان يركز المحتجون على استهداف المنشآت النفطية واقتحام مكاتب شركة نفط الجنوب والسيطرة عليها وإغلاق الطرق المؤدية إلى مصافي النفط.

أولى الإشارات إلى الدور الإيراني في الاحتجاجات العراقية، كان في قرار طهران إيقاف مد البصرة بالطاقة الكهربائية، ما أطلق شرارة التحرك الشعبي للمطالبة بزيادة ساعات التغذية الكهربائية، وما فاقم الأمور تعقيدا، كان في قطع محتجين للطريق البري بين البصرة ومعبر الشلامجة على الحدود مع إيران في 12 تموز.

لن تستطيع أجهزة الدولة العراقية بمفردها كبح الاحتجاجات، ولن تنفع معها الوعود التي اطلقها العبادي، بل هي آخذة في التمدد إلى مناطق أخرى،  كما لا يمكن لأحد أن يضمن الطابع السلمي لهذه التحركات الشعبية، خصوصا أن الدولة العراقية ما زالت عاجزة عن نزع السلاح من تنظيمات الحشد الشعبي أو من عشائر وقبائل المنطقة المعروف عنها حيازتها لترسانة ضخمة من الاسلحة المتوسطة والخفيفة.

من بوابة هذا العجز العراقي الداخلي، سيدخل اللاعبان المتصارعان في العراق، كل بشروطه وطلباته، والخطر الكبير أنها لعبة مفتوحة، ومفاتيح إقفالها في واشنطن وطهران.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق