قضايا ومتابعات

هل تجرؤ واشنطن على معاقبة السعودية؟

مناطق نت

هذا السؤال بات يشغل المراقبين وهو موضع متابعة، وهو بالأصل ذروة اللعبة في قضية اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي بعد دخوله إلى قنصلية بلاده في اسطنبول في الثاني من هذا الشهر.

حاولت الرياض تحاشي هذا النتيجة، بزعمها أنها تتعرض إلى مؤامرة كبيرة، يُراد منها النيل من دورها، وتقوم على إدعاءات ومزاعم باطلة تسندها حملة إعلامية عالمية ممولة من جهات تتربص بالمملكة، وتتجه باصابع اتهاماتها إلى الدوحة وأنقرة، لكن مشكلة السعوديين أنهم أظهروا عجزا ملموسا في تبديد الشكوك حول دورهم في فقدان أي أثر لمواطنهم خاشقجي،  لا بل أن نفيهم التهمة عنهم، بالقول أن خاشقجي حضر لبعض الوقت إلى القنصلية ثم غادر، وعدم إثباتهم صحة الواقعة بحجة أن كاميرات القنصلية المذكورة للتصوير وليس مجهزة للتسجيل، هو رد غير مقنع، ويضعهم في مرمى الشبهات، فالإنكار بلا أدلة لن يفيد في قضية باتت عهدة الراي العام الدولي.

الطريقة الإعلامية الذكية التي يدير بها خصوم المملكة السعودية قضية خاشقجي، نجحت في إحداث تعبئة دولية ضد حكام الرياض، وأحرجت حلفائهم بما في ذلك حليفهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي تدرج في مواقفه من أنه لا يعلم شيئا وينتظر أخبارا سعيدة عن خاشقجي، إلى وضعه احتمال عن دور للسعودية وراء اختفائه وتوعده الرياض ب”عقاب قاس” في حال صحّ هذا الأمر.

بالمقابل ردت السعودية على التهديدات الموجهة إليها، ونقلت وكالة الأنباء السعودية (واس) عن مصدر مسؤول : “تؤكد المملكة رفضها التام لأي تهديدات ومحاولات للنيل منها سواء عبر التلويح بفرض عقوبات اقتصادية، أو استخدام الضغوط السياسية، أو ترديد الاتهامات الزائفة، التي لن تنال من المملكة ومواقفها الراسخة ومكانتها العربية والإسلامية، والدولية، ومآل هذه المساعي الواهنة كسابقاتها هو الزوال، وستظل المملكة حكومة وشعباً ثابتة عزيزة كعادتها مهما كانت الظروف ومهما تكالبت الضغوط”.

والإضافة المهمة في كلام المصدر المذكور هي : ” تؤكد المملكة أنها إذا تلقت أي إجراء فسوف ترد عليه بإجراء أكبر”، وأن “لاقتصاد المملكة دور مؤثر وحيوي في الاقتصاد العالمي”.

لا تخشى السعودية سوى العقوبات الأميركية، وخصومها يسعون فقط إلى إنزال العقوبات الأميركية بها، والرد السعودي الأخير هو بمثابة تحذير لواشنطن من الانقياد لأهداف أعداء الرياض.

قوة التحذير السعودي ليست ذاتية، إنما مستمدة من الانقسام الأميركي الداخلي حول الموقف من سياسات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، فالديمقراطيون بمواقفهم وتصريحاتهم وردود أفعالهم على اختفاء خاشقجي وضعوا الرياض على ذات السوية مع كوريا الشمالية وإيران وكوبا، وطالبوا ترامب بإنزال أقسى العقوبات بها متسلحين بقانون ماغننيسكي الدولي، والذي يمنح واشنطن حق فرض عقوبات على اشخاص مسؤولين عن اختفاء خاشقجي ، ولا يستبعد أن تتحول هذه القضية إلى موضوع أساسي تدور عليه رحى الانتخابات النصفية في 6 تشرين الثاني للكونغرس الأميركي، وقد نجحت ضغوطهم في دفع الإدارة الأميركية إلى تشديد مواقفها في اختفاء خاشقجي.

قبل أن تتطور التحقيقات في موضوع خاشقجي، احتدم النقاش في واشنطن حول حجم ونوع  العقوبات التي سيتم فرضها على الرياض، وكان ترامب واضحا، بأنه لن يقبل بإلغاء الصفقات التي كان قد عقدها مع المملكة السعودية، لا بل اعتبر إن إلغاء هذه العقود كأنه “عقاب لأنفسنا”، وأن بلاده هي الخاسرة من مثل هذا الإجراء.

إلى هذا، اي عقوبات تغضب المملكة قد تستجرها لرد فعل من وزن نفض يدها من دعم الاستراتيجية الأميركية لتحجيم النفوذ الإقليمي لإيران، وهذا ما سيضع واشنطن أمام خيارات مختلفة ويربك مخططاتها، من بينها تراجع الإدارة الأميركية عن الرزمة الثانية التي تزمع فرضها على طهران في الشهر المقبل أو إدخال العالم في فوضى اقتصادية هائلة في حال في منعت طهران من بيع نفطها وبالوقت نفسه لم تسترض الرياض لزيادة انتاجها النفطي وسد نواقص السوق العالمية.

كذلك، ولو أن هناك انتقادات أميركية لأداء بن سلمان وسياساته الداخلية، لجهة الاعتقالات والتعذيب وكم الأفواه، إلا أن الإدارة الأميركية الحالية تنظر إلى مشروعه “الإصلاحي” بعين إيجابية ، كالسماح للنساء بقيادة السيارات، وفتح دور السينما وتنظيم حفلات غنائية وتحجيم دور الشرطة الدينية ومراقبة وتشكيل لجان “علمائية” لمراقبة استخراج الاحاديث النبوية،، فقد نجح في إحداث بعض التغييرات المجتمعية التي تخفف من التزمت والتطرف الديني الذي تحاربه واشنطن، يضاف إلى هذا، الالتحاق السياسي الكامل للرياض بسياسات ترامب لجهة إيران أو صفقة القرن.

مع هذا، لن تستطيع إدارة ترامب التفلت من اتخاذ إجراء ما ضد بن سلمان، لكن لن تكون سقوفه عالية ولو كان فيه قدر من امتصاص النقمة العالمية على الرياض.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق