حدث وكومنت

هكذا يسرقون الوقت ويصنعون العبيد

حسين حمية

ألوف الأخبار والمقالات والتحليلات والصور، هي في متناولنا يوميا، ما يُحكى فيها يفيض بكثير عن المُحكى عنه، والمشكلة ليست بأن العرض تجاوز الطلب بأضعاف مضاعفة، إنما لم يعد هناك من وقت يكفي للقراءة، ولا مجال لاستدانة الايام والساعات والدقائق من مصارف تتاجر بالزمن، فهذا الكم الهائل من الأخبار، جعل الكل مديونا زمنيا ولا يمكن تغطيته برصيد أعمار الناس ولو طالت، فالاستخدام المكثّف للوقت قد إنهك الوقت نفسه، حتى بات من الغازات الخفيفة التي تتبخر بسرعة دون الشعور بوجوده.

ما يحدث، هو قرصنة لأوقات البشر، هي بالشكل إهدار لهذا الوقت وإشغاله، خذ مثلا، فهل تحتاج العقدة السنية في تشكيل الحكومة، لهذا الكم الهائل من الأخبار والحكايات والنسج عليها؟ أليس ما أريق من وقت في قراءة العقدتين الدرزية والمسيحية، هو ما يفوق حاجتنا لمعرفتهما؟ أليس هذا تبديدا الوقت؟ وما يحدث عندنا هو نفسه يحدث في الأمكنة الأخرى من العالم.

إنه استخدام الوقت في المكان ذاته، جعله يراوح في محله، أنه نوع من عبودية جديدة بأدوات استعباد مختلفة.، فإذا كان استرقاق الناس قديما بالقمع الجسدي لهم وإجبارهم على تنفيذ طلبات اسيادهم بالقوة، وحجز حريتهم بتصفيد أرجلهم وإيديهم ، لكن مع هذا، فإن هؤلاء العبيد، هم في مكان ما، كانوا أحرارا، وكان من الصعب على مالكيهم وضع الأصفاد في أحلامهم وخيالاتهم وتفكرهم.

عبودية هذا العصر، لا حاجة لانتاجها بالسياط أو التصفيد، ولا ضرورة لمصادرة الحرية الجسدية، إنما يكفي تكبيل الوقت وإنهاكه وتبذيره على “سوالف” و”قصص” تافهة، يكفي لجر القارىء إليها، هو التفنن باستخدام عناوين مخادعة تحاكي الغرائز والعقد النفسية والفضول، فالمهم سلب الوقت وإنفاقه بعيدا عن أحلامنا وخيالاتنا وتفكرنا الآخذة بالضمور والذبول والتصحر، بانحباس الوقت عنها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق