مواسم

أقتل أيها الإسرائيلي..لا أحد يعزّي في غزة

حسين حمية

قتل الجيش الإسرائيلي في هذا الأسبوع 60 فلسطينيا كانوا قد شاركوا في مسيرة العودة. لم تقلق الدولة العبرية من ردود الفعل العربية على سلوكها الهمجي. وعدم مراعاتها هذه المسألة، لا يُرد إلى استهتارها بصورتها الدولية، فهي ما زالت حريصة على “بريستجها” الإنساني، ولديها آلة إعلامية عالمية لتسويق سرديتها التي تغسل بها جرائمها وتحفظها من التشويه.

قبلُ، كانت إسرائيل تأخذ بالحسبان الرأي العام العربي وتتحاشى إثارته بجرائمها، ومع أنها قد أرتكبت العديد من المذابح والمجازر بحق الفلسطينيين خاصة والعرب عامة، إلا أنها لم تنج من عقاب معنوي، فقد قوبلت بردود فعل مناسبة ودفعت اثمانا من سمعتها الدولية، وفي أوقات معينة امتنع قادتها عن زيارة بلدان أوروبية مخافة اعتقالهم بجرائم حرب، كذلك أجبرت تلك الردود الحكومات العربية على تبني سياسات تجاه الأحتلال الإسرائيلي تحترم  الحد الأدنى لمشاعر ضحايا تلك المجازر والمذابح. لكن ما حدث في مسيرة العودة الأخيرة ينبىء بتحول  خطير، إن في التعاطي الإسرائيلي مع السخط الفلسطيني الآخذ بالتعاظم والتصاعد، أو الردود الشعبية في البلدان العربية والإسلامية.

عوامل كثيرة أطلقت يد الإسرائيلي ليمارس بضراوة هذا العيار الثقيل من العنف ضد فلسطيني مدفوع باليأس والفقر وأوضاع معيشية قاسية للتظاهر سلميا ضد الدولة التي اغتصبت أرضه وشردته وترفض الاعتراف بحقوقه وفوق هذا تحاصره وتخنقه في بقعة تنعدم فيها وسائل الحياة العادية. وإذا كان تخصيب السخط لدى الفلسطيني يحدث تلقائيا بغير تخطيط، فإن المأساة، هي أن تعمل الظروف العربية الحالية على إسقاط  الرادع الأخير أمام إسرائيل، لينفتح أمامها ممارسة إرهابها على الفلسطيني من دون قيود او رادع.

في مجزرة هذا الاسبوع، دفن فلسطينيو غزة وحدهم جثامين شهدائهم، دفعوا بمفردهم كلفة إعادة قضيتهم إلى الاهتمام الدولي،  كان عزاؤهم في السابق أن يصل إليهم أصداء غضب من شوارع المدن العربية، هذه المرة لم يحدث أي شيء من هذا القبيل، هم وحدهم حتى بالمشاعر، هم الآن في غربة حقيقية، لا يقطعهم عنها، إعلان الحداد في الضفة الغربية، أو بيانات الإدانة الصادرة عن الحكومات العربية والإسلامية، أو الطلب من سفير إسرائيلي أخذ إجازة، حتى التظاهرات التي تستخدم دمهم لشحن العداء بين الشعوب العربية، فهذه تجعلهم أكثر غربة ليعيدوا قول رمزهم التاريخي “يا وحدنا”.

في إسرائيل، يقولون هناك صعوبة كبيرة في تفسير إجرامهم الوحشي بحق المتظاهرين الفلسطينيين، لا أحد يصدق إدعاءاتهم الكاذبة، هناك ألف وسيلة لاحتواء هذه التظاهرات من دون سقوط دم، لكن إسرائيل استثمرت على أمر آخر، وهو تعطيل السلاح الذي كان يؤرقها  منذ ظهورها، كان يؤرقها اكثر من الجيوش والمقاومات واقتناء الطائرات والدبابات والصواريخ، فهذه تعالجها عندما يحين أوان العلاج.

في 11 ايلول 2001، سقط أكثر من 4000 قتيل أميركي، لم يظهر على شاشات وصفحات الإعلام صورة جثة واحدة. مشاعر الشعوب خط أحمر، لا يجوز إهدارها واستخدامها مجانا، هناك سر في تقنينها، لأن قدراتها في تصنيع السخط والغضب محدودة، وليست مفتوحة بالكم والنوع، إبان الربيع العربي، كانت إسرائيل، تنظر بعين الرضا للإعلام العربي، وهو يبدد السلاح الأهم للأمة، بهدره للمشاعر واستنزافها، لذا لم تقم وزنا لأي رد فعل من الشعوب العربية والإسلامية في قتلها للفلسطينين هذا الأسبوع، لا أحد عندنا لديه وقت للنظر إلى الدم الفلسطيني على الثوب الإسرائيلي، ولا أحد عندنا توقف عند هذه القضية، لكن في إسرائيل، هناك من يراقب، وهذا ما كتبته بالأمس صحيفة هآرتس:
“حكومات عربية ومعها وسائل إعلام كثيرة عبرت عن الاسف من عدد القتلى. إسرائيل وجدت صعوبة كبيرة في تفسير ادعائها بأنه كان هناك عملية مبررة لمنع اقتحام الجمهور لحدودها. مع ذلك، ورغم الادانات، يبدو أن المشاعر تبلدت، لا سيما في العالم العربي. مشاهدو محطات التلفاز العربية يتم اغراقهم طوال سبع سنوات ونصف بتوثيق يومي، واحيانا ببث مباشر، لقتل جماهيري ومعاناة فظيعة في كثير من الدول التي انجرت في الهزة التي في بدايتها سميت الربيع العربي. المشاهد من غزة ليست استثنائية مقارنة مع الصور اليومية من سوريا واليمين، والتضامن مع الفلسطينيين ظهر الآن كضريبة كلامية فقط”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى