مواسم

أكاذيب كثيرة في قضية خاشقجي

حسين حمية

آخر الابتكارات الاستخبارية في الحقل الجنائي، هو تصنيع ضحايا مجهزة بأدلة وقرائن تُحدد الجاني قاتلا أو خاطفا أو سجانا، وعليه، لبناء القضية، من جهة أولى، يكفي خداع الضحية بأنها محصّنة من الاعتداء، فهي دائما في وضح النهار وتحت الأنظار ولا تغيب عن المراقبة الحارسة لها، ومن جهة ثانية، من السهولة إغواء الجاني، فالطريدة أتت برجليها لتعلق بفخّها، لا حاجة له أن يقع في شبهات الاستدراج، فهي في المكان المثالي لمسرح جرائمه، يمكنه ترتيبه كيفما يشاء وساعة يشاء.

صحافة جمال خاشقجي وإعلاميته، هذه كذبة ولو كتب في عمود دولي (على قول أردوغان) وقبلُ في الصحافة السعودية، هناك صحافيون وتجّار وسياسيون وعسكريون وفنانون ومشاهير وغيرهم، وهؤلاء المهنة لديهم ليست سوى استعارة أو مجاز لإخفاء حقيقتهم، هي معاطف يرتدونها في الضوء، ثم يخلعونها عندما يعودون إلى أوكار وظائفهم، هم من عالم اللامرئي، وصفاتهم التي يظهرونها للناس هي للاستخدام والتضليل.

خاشقجي لم يكن يوما صحافيا هو وأمثاله، سلطة كلمته وعبارته ومقالته ليست مستمدة بقوة فكره وثقافته ورؤيته، إنما من عالمه، وفي هذه العالم هناك كلمات جاهزة ومعدّة مسبقا، وما على خاشقجي وامثاله سوى حملها ورميها على الورق لتكون على مرأى الأعين، وهي بالمناسبة ليست كلمات، هي أمور أخرى، تصنع أحداثا للناس، وبالوقت نفسه تصنع ناسا لهذه الأحداث.

خاشقجي ابن عالم فوقي، معظم حياته كانت على احتكاك وتواصل مع نخبة هي اقرب ما يكون إلى حكّام هذا الكون، سواء عندما كان مستشارا لمدير المخابرات السعودي أو صداقاته مع أمراء الخليج أو ارتباطاته الإخوانية، وفي تلك الأمكنة لا وجود لشيء اسمه سذاجة وبساطة، فيذهب على طريقة مسلسلات تلفزيونية من الدرجة العاشرة إلى فقدان الأثر أو لقيان حتفه.

“خديجة..إذا تأخرت في القنصلية..اتصلي بأقطاي و…”، قد يكون خاشقجي قد قال ذلك كما يقول الأتراك، وقد لا يكون وجود لهذا كله، أو ليست خديجة سوى مفاجأة اخترعها الأتراك للسعوديين، ولا فائدة من التدقيق والتحقيق، لكن، الإخراج الاستخباري ليس ساذجا أو على هذه التفاهة من التفكير، لكن يدرك أن السذاجة محصنة جيدا والتفاهة سيسلم بها الجميع لأنها غير قابلة للنقض من الجهات السعودية القادرة على كشفها، لكن لن تفعل، فالمكيدة تشترط بلع الألسن.

يمكن اتهام السعوديين بالغباء وشرب روث البعير، لكن في تصفية المعارضين أو إخفائهم وتنظيف مسارح الجريمة وغسل آثارها، هم اصحاب خبرة وباع طويلة مثلهم مثل سائر الأنظمة العربية، لا ارتجال بمثل هذه الأمور، وخاشقجي ليس الطريدة الأولى التي يشترونها من أسواق بيع المعارضين المنتشرة في طول العالم الحر، وكانت بيروت إحدى هذه الاسواق، وكم من الأحزاب والمنظمات حققت أرباحا من هذه التجارة.

خاشقجي، ابن العالم “الذكي”، يدرك من خلال مهنته الثانية “اي الصحافة”، أن لا مكان آمنا في هذا العالم سوى للتافهين أو للاشيء أو للاأحد (هذا المصطلحان لأدواردو غاليانو)، وأن  اي معارض سعودي يخرج من بلده، يتحوّل إلى سلعة فاحشة الثمن، تتربص بها أجهزة عالمية للاتجار بها، فكيف إذا كان وجود هذا المعارض أو إخفائه يقع على مفترق تدفق آلاف المليارات الدولارات الأميركية.

قصة لافتة، ترامب يقول أن أجهزته الأمنية التي أهانها أمام بوتين، تشارك الأمن التركي في التحقيقات بقضية خاشقجي، تركيا كذّبته ونفت، لكن هل يكذب ترامب أم يبتز أجهزة الأمن الأميركي التي تستطيع ان تتعاون بحكم القانون مع أجهزة أمنية أخرى، لكن أنطفأت قضية التعاون بخروج القس الأميركي أندرو برانسون، وسكت ترامب.

بأي حال، ليس ترامب مشغولا بمصير خاشقجي، المهم عنده عزل صفقات الاسلحة عن لعبة القاتل والضحية، الرجل لن يضحي بدولار واحد من أجل “حرية الصحافة”، هو يعرف ليس هناك لا حرية تعبير ولا من يحزنون، وكأنه يقول: “إلعبوها لكن ليس على حسابي”. بينما تتبارى الصحف القطرية والسعودية، في تعداد من سيحضر ويقاطع “مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار” الذي سيعقد في الرياض في ال 23 من هذا الشهر.

غنائم قطر، أنه سيقاطع كل من : شبكتا «سي أن بي سي» و«بلومبرغ»، اللتان لهما دور كبير في المؤتمر، وصحيفتا «فايننشال تايمز» و«نيويورك تايمز»، وكذلك مراسلون ومحررون من «ذي إيكونوميست»، رغم أن المؤتمر يعتمد كثيراً على صحافيين لإدارة جلساته الرئيسية، بالإضافة إلى مستثمرين كبار، كالملياردير ستيف كيس، والرئيس التنفيذي لشركة «أوبر»، دارا خسروشاهي. والضربة الثانية للصندوق السيادي، تمثلت بإعلان شركات ومستثمرين كبار آخرين، أمس، إلغاء تعاقداتهم مع السعودية، أو وقف محادثاتهم بشأن استثمارات أو مشروعات محتملة، ريثما يُكشَف عن خاشقجي، مثل شركة العلاقات العامة في واشنطن «هاربر غروب»، و«فيرجن غروب»، التي كانت تجري محادثات مع صندوق الاستثمارات العامة، بشأن استثمارات مزمعة بقيمة مليار دولار”.

أما في حسابات السعودية سيحضر: لم تعلن أي من الشركات المالية التي من المقرر أن يتحدث أبرز مسؤوليها التنفيذيين في المؤتمر، أي تغيير في تلك الخطط حين اتصلت بها وكالة «رويترز».وقالت ناطقة باسم «ستاندرد تشارترد» للوكالة، إن بيل وينترز الرئيس التنفيذي للبنك الذي يركز على آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط ما زال يعتزم حضور المؤتمر الذي سيتحدث أمامه جيمي ديمون الرئيس التنفيذي لبنك «جيه. بي مورغان تشيس آند كو» وكذلك أجاي بانجا الرئيس التنفيذي لـ «ماستر كارد»، وكذلك «بنك أوف أميركا ميريل لينش» و «سيتي غروب» و «غولدمان ساكس» و «مورغان ستانلي”.

مع ذلك اللعبة لم تنته، الجلبة كبيرة في عالم خاشقجي..نحن لا نسمع إلا أصداء ضعيفة قادمة من مسافات بعيدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى