رصد-قديم

أي سياسة أميركية للمنطقة .. بايدن يصطدم باغتيال زادة !!
ميرنا دلول

مناطق نت – البقاع الأوسط

وضع اغتيال العالم النووي الايراني محسن فخري زادة المنطقة أمام مشهد جديد شبيه إلى درجة كبيرة بالمشهدية التي تلت عملية اغتيال قائد الحرس الثوري قاسم سليماني أوائل العام الجاري، مع فارق بسيط أن اغتيال سليماني جاء في خضم تجديد ترامب لرؤيته المتهاوية، بينما اغتيال فخري زادة أتى في “الوقت الضائع”، وهنا مكمن الخطورة ..

مع وصول دونالد ترامب للبيت الأبيض سارع “الثعلب” هنري كيسنجر إلى طرح جملة من الأسئلة من خلال معادلة معقّدة وضعها أمامه : ” ما الذي نريد تحقيقه حتى لو سعينا إليه وحدنا؟ وما الذي نريد الوقوف في طريقه حتى لو كان علينا محاربته وحدنا؟، لكن عقلية “التاجر” المتحكمة بذهنية ترامب أسقطته في القراءة الخاطئة، فأخفق في الأمرين، ولم يتحقق من ” أميركا أولًا ” سوى انهيار منظومة الثقة بقيادتها للعالم ..

ما من شك أن منطقة الشرق الأوسط بتقاطعاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، تقف على حافة التوتر الدائم، وتعتبر “السوق” المربحة لأعمدة التجارة العالمية، النفط والسلاح، ومع دخول الصين كلاعب كبير واستعادة روسيا شيئا من حضورها المفقود وبقاء كوريا الشمالية كـ ” حالة متمردة ” رغم ترويضها في مكان ما، واشتعال التنافس على وظيفة “شرطي المنطقة” بين الثلاثي تركيا وإيران والعدو الاسرائيلي، ظهرت خسائر أميركا في الفترة الترامبية أمام مكاسب ما كانت واشنطن تعتبرهم ومازالت ألد الخصوم ..

وشكلت نتائج الانتخابات الأميركية فرصة أمام الرئيس المنتخب جو بايدن لرفع شعار جديد قد يتقاطع مع شعار ترامب لكنه أكثر تجليّا من سابقه لاسيما في السياسة الخارجية عندما قال ” أميركا يجب أن تقود ثانية “، وأنه عليها إقرار برامج مغايرة تضع أميركا على رأس الطاولة مع الحلفاء والشركاء، والتلويح بعصا غليظة لكل معارض لمروحة الأفكار المقترحة حول الرؤيا الأميركية الجديدة للمنطقة أمام مشهد العالم المتغير ..

لعله من المبكر القول أن المنطقة مقبلة على “فترة رخاء” وسريان الوسائل الديبلوماسية لفكفكة المعضلات القائمة، فمن الخطأ شطب معادلة الحروب بين القوى المهيمنة، رغم السعي الحثيث إلى بلورة استرايجية عظمى، فبوادر ” العواصف الكبرى ” مازالت قائمة في رحلة البحث عن إقامة توازن إقليمي بين القوى من دون تدخل أميركي إلا عند تهديد المصالح الحيوية، استراتيجية عظمى في عالم شديد الترابط واستراتيجية أمن قومي تعتمد الفعل لا رد الفعل، والهدف هو تقليل تعهدات أميركا الخارجية للالتفات إلى تنمية الداخل ..

في العقدين الأخيرين زادت التزامات أميركا الخارجية بشكل مقلق، فقد بات لديها الحضور في 170 بلدًا، وليس من مسببات لأن تكون أميركا قوية إلى هذا الحد، فكلما ظهرت القوة ازدادت الكلفة جراء ذلك، ولم يعد لها التأثير المباشر في رسم السياسة العالمية، لأن استعمال القوة وطريقة ممارسة السطوة لتحقيق الأهداف قد تبدّلت جذريا، فلم تعد القوة التقليدية تشتري النفوذ، من هنا كانت الدعوات في الداخل الأميركي إلى تغيير المفهوم السائد من خلال عسكرة السياسة الخارجية، والتخلي عن الأسلحة التقليدية المتعراف عليها، والسعي لامتلاك ما يتطلبه العصر الحالي من أسلحة ومقومات تتيح الفرصة لاستعادة ريادة العالم ..

تسببت جائحة كورونا بخسائر مادية هائلة للعالم بأسره (حوالى 16 تريليون دولار)، وأميركا كان لها النصيب الأكبر من هذه الخسائر، لذلك فإن بايدن الديموقراطي القادم من خلفية تجارب استمدها من خلال 47 عامًا في الكونغرس، ويسعى لتعويض بلاده من خلال رسمه لسياسات اقتصادية وسياسية مختلفة، ولديه مشاريع استثمارية داخلية تتجاوز تريليوني دولار، ويملك ثقافة خارجية مختلفة من خلال تعزيز وتقوية تحالف الديموقراطيات في العالم، وعقد قمة ديموقراطية عالمية، من رحلة البحث عن مصادر التمويل لمشاريعه ورؤيته من دون أي تصادم عالمي هو بالغنى عنه، عبر احتواء الصين وروسيا وضبط ايران وتركيا واسرائيل ..

بدأ جو بايدن في تشكيل فريقه ومن يقرأ الأسماء المقترحه لإدارته الجديدة من رون كلاين إلى أنطوني بلاينكن وتوم دونيلون وجوني سميث وستيفن فيلدمان يدرك كيف ستكون الاستراتيجية الأميركية من خلال إدارة السياسة الخارجية بقوة الديبلوماسية والاقتصاد وثروات المناطق وتحديدا الشرق الأوسط، وحصر الخيارات العسكرية وتحالفاتها بالأهداف الدقيقة فقط، لأن الأعمال العسكرية الواسعة المرسومة شيء والتنفيذ شيء آخر، لهذا فإن اغتيال فخري زادة يأتي في سياق “بلبلة” يخلقها ترامب قبل مغادرته البيت الأبيض، ومن يراهن على عمل عسكري ما خلال الوقت الضائع رهانه ليس في محله ..

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى