متابعات

إجرام من نوع آخر!

فوزية عرفات

إن كُنتُم مثلي تنتمون إلى الطبقة الوسطى، أو من الأغلبية التي تنتمي إلى الطبقة الفقيرة أي إنكم لستم ممن يُولدون وفِي أفواههم ملاعق ذهبية، فإنكم لا ريب جربتم لمرة واحدة ولو من باب الصدفة التنقل بواسطة (الڤان).
إنّ لتجربة ارتياد )الڤان) منافع جمة كما لها مساوىء جمة واسمحوا لي أن أكتفي بإلايجابيات، فلا أريد أن ترسخ في رؤوسكم عني فكرة (الكاتبة المتذمرة).

إن ركوب الڤان في لبنان وتحديداً على خط زحلة – بعلبك يكاد يكون تجربة فريدة من نوعها، فخلال الدقائق الثلاثون التي ستقضيها في (الڤان)، ستختبر أنواعاً مختلطة من المشاعر تتراوح بين الحزن والغضب والنقمة والقرف والطرافة والشكر أيضاً، ويحاولون إقناعنا أن النقل العام في الدول المتقدمة مُمتع، ولا أعرف أين هي المتعة التي يتحدثون عنها؟ أهي في كتب الركاب أو سمّاعاتهم أو صمتهم، وهل في القراءة والموسيقى والصمت متعة أنهم حقاً شعوب باردة لا يعرفون كيف يحيون بسعادة وحماس.
إليكم بعضاً من مغامرات النقل العام في بلادنا.

عندما تلوح بيدك للڤان من بعيد ليتوقف غالباً ما يكون ساهياً وما أن يُلاحظ وجودك حتى يقرر التوقف بشكل مفاجئ، فيلتف من أقصى اليسار إلى أقصى يمينه بسرعة جنونية خشية أن يلتقطك ڤان آخر، يدوس على المكابح ويتوقف مباشرة عند طرفي قدميك، سيصدر صوت قرقعة نتيجة اصطدام رؤوس الركاب بالمقاعد التي تتقدمهم، وعندما تتلاشى سحابة دخان (الأشكمان) الأسود التي غرقت فيها سيعود إليك رشدك، ستجزع في البداية لأن الڤان كاد يسحقك تحت عجلاته وستتفقد أطرافك لتتأكد أنها لا تزال ثابتة في مكانها، وعندما تتأكد أن ما حصل ليس عوارض عمل إرهابي سترى عيون جميع الركاب شاخصة إليك وفِي هذه الحال ومن باب اللباقة لا يعد قرار العدول عن الركوب ينفع، فتقرر الصعود قبل أن يبدأ الجميع بالصراخ.

عندما تصعد سيحشرك السائق بين راكبين، وستشعر بارتياح كبير لأنك ستقتنع أخيراً كم أنت رشيق، وأن حجم مؤخرتك لا يتجاوز هذه السنتيمرات القليلة التي تم حشرك فيها، ستجلس مزموماً وفِي حجرك حقيبتك وستكون في هذه الحالة مضطراً إلى سماع أخبار الجارتين اللتين تتبادلان أطراف الحديث عن يمينك ويسارك، بل وقد تُتاح لك الفرصة لإبداء رأيك في أحد المواضيع الشيّقة كطريقة طبخ الملوخية أو أسعار الخضار التي طالتها الضرائب، وقد تشارك في شتم الحكومة بل وقد تشاركنك في توقع أحداث الحلقة المقبلة من مسلسل )موسم الكرز( الذي بدأ في موسم الكرز ولَم ينته بعد، مع أننا الآن في موسم التين.

المهم عندما يرفع السائق صوت الموسيقى ستكف عن سماع المرأتين في جوارك، مع أنّهما ضاعفتا رفع صوتيهما لكن حنجرة الفنان الصاعد وهي تزمجر من مسجلة ألڤان (شعراتا ولو) سيظل أعلى بكثير من دمدمتهما، هنا تماماً ستصاب بدوار بسيط وستبدآن عيناك بالزوغان، لكن لا تقلق فلدى السائق حل لذلك أيضاً فهو سيتولى إيقظاك كلما كدت تفقد وعيك، ولتلك الخطة مراحل تبدأ بالتأرجح بين الحفر التي يرمي السائق نفسه بها رمياً، ثم بالارتجاج عندما يزيد من سرعة محرّكه، ثم الصدمة عندما يتوقف بشكل مفاجئ على اليمين ثم الارتطام عندما تصطدم رؤوس الركاب في ظهور المقاعد الأمامية لمقاعدهم، في هذه الحالة سيتولّد لديك حالة من التوازن، فلا تقلق لأنك ستظل تغفو وتستقيظ تغفو وتستيقظ حتى وصولك إلى حتفك أقصد وجهتك.

الدوار الذي يُصيبك عندما يبدأ المغني الأول على الساحة الفنية (ينشّذ) أقصد يغني، سيشتد قليلاً بسبب دخان السجائر المنبعث من سجائر ستة ركاب، هذا اذا بالغنا واعتبرنا أن الستة الآخرون لا يدخنون وإذا حيّدنا أيضاً الراكبين الزائدين عن العدد المسموح فيه واللذين حشرهما السائق بين الآخرين بطريقة ما تنم عن ذكاء جم في فن استغلال الفراغات.

عندما تقترب من الوصول إلى وجهتك عليك أن تُخبر السائق مسبقاً بذلك، وإلا فإنه سيُنزلك بعيداً عن وجهتك بما لا يقل عن خمسمائة متراً في أحسن الأحوال، وهذا أمر بديهي فكيف له أن يسمعك وسط تلك الضوضاء! وفِي هذه الحال عندما تصيح بالسائق )انزلني عند النقطة الفلانية) عليك أن تكررها مرات عدة، بل وسوف يهتف الركاب الأربعة عشر معك بصوت واحد وكأنهم جوقة موسيقية أنت قائدها (نزلوا نزلوا).

عندما تنزل من (الڤان) سترفع رأسك إلى السماء كمن يود الطيران ستشكر الله بكل الأدعية التي تعرفها، والتي تتذكرها للمرة الأُولى في حياتك على نجاتك، وفِي هذه المرحلة فقط ستعرف كم أنت إنسان سعيد وسترضى بالقليل الذي منَّه الله عليك، بل وستزداد إيمانا وستقرر إنك لن تتوانى عن الصلاة بعد اليوم )وهذا وعد سرعان ما ستتغاضى عنه(.
ألم أقل لكم أن (للڤان) إيجابيات كثيرة، فبينما كان من الممكن أن تكون من عداد الشهداء أو الجرحى أو المشوهين، كتب الله لك عمر جديد لتعرف قيمة ما تملك، نعم لقد وُجد الڤان لينتشلك من إلحاد كنت على وشك السقوط فيه، فتوقفوا عن التذمر من (شوفريات الڤانات) فإن نواياهم صافية وكلها تصب في خدمة البشرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى