متابعات

إلى أزمات ما بعد التأليف..سر

زهير دبس

في قاموس السياسة اللبنانية لا تعتبر مشاكل الكهرباء والنفايات والمياه الملوثة والركود الاقتصادي وانسداد فرص العمل وغيرها العديد من المشاكل الملحة والضرورية والتي تطول قائمتها عقداً وَجب حلها، بل يُعتبر عدم تمثيل درزي أو مسيحي أو سني أو شيعي من هذا الطرف أو ذاك هو أم العقد التي تستدعي تجميد البلاد والعباد ووقف عجلة الدولة وحركة الناس بانتظار حل تلك العقد.

الملف الحكومي انتقل من ثلاجة الانتظار بعد مرور خمسة أشهر على إجراء الانتخابات النيابية إلى عنق الزجاجة التي تشير الأخبار المتواترة أن التشكيلة الحكومية عالقة فيها. وبغض النظر عن توقيت إعلان التشكيلة الحكومية التي طال انتظارها يبدو أن إجراءات التكليف والتأليف الدستوريتين أصبحتا شكليتين ولا يُعتدُّ بهما بعد خروج الوصي السوري الذي كان ممسكاً بناصية الأمور حيث كانت الحكومات تتشكّل في غضون أيام معدودة وهو ما يتباهى به حلفاء سوريا الذين يعيبون خصومهم في عملية التأليف الحكومية.

التجاذب في مسألة تشكيل الحكومة وتمترس كل طرف وراء حصته في التوزير هو أبعد من مسألة حق وأحجام، ويتعداه إلى مسألة من يمسك بقرار مجلس الوزراء من الداخل ويتحكم بمسار أموره وقراراته ومن يملك حق الفيتو فيه وهو ما يتجلى واضحاً من خلال البازار الذي يصول ويجول في الأروقة وداخل الغرف المغلقة. لكن كل ذلك يتم تجاوزه و«رتقه» حين تأتي الإشارة من مراكز القرار حينها يُذعن الجميع لها ولا يعود هناك من عقد تستحق التمترس عندها.

«أنظروا إلى العراق» هذا ما قاله مرجع سياسي لصحيفة الجمهورية داعياً إلى «ترقُّب المسار السياسي هناك لتلمُّس ولادة الحكومة في لبنان». متوقعاً «التزامن بين ولادة الحكومتين في لبنان والعراق». علماً أن بغداد أعلنت أن حكومتها ستعلن خلال ٧٢ ساعة. أيضاً قالت مصادر سياسية أخرى لـ «الجمهورية»: «يبدو أن ضوءاً أخضر ما، جاء من خارج الحدود إلى مختلف الأطراف، ما يعزز من نسبة ولادة الحكومة في خلال أيام، إلا إذا برز تطوُّر ما ليس في الحسبان».

الضغوط الدولية ومنها لقاء الرئيسين ماكرون – عون على هامش القمة الفرنكوفونية في أرمينيا والإقليمية على الأطراف الداخلية قد تصبح من المسلمات في الدفع باتجاه تشكيل الحكومات في لبنان وهذا ما أثبتته التجارب في عملية التشكيل في السنوات الأخيرة، وهذا ما يؤكد من أن «عقد الحصص» التي رافقت التشكيل منذ التكليف هي عقد شكلية أمام الضغوط الخارجية التي أصبحت لازمة في عملية التأليف الحكومي في لبنان.

بانتظار الولادة الميمونة للحكومة بدءاً من نهار الجمعة أو الإثنين على أبعد تقدير وفق «مصادر مشاركة في التأليف نقلتها صحيفة «الأخبار» يبدو أن قرب هذه الولادة يكرّس مفهوماً ليس جديداً على قاموس تأليف الحكومات في لبنان وهو أن المصالح الضيقة والفئوية يعلو على المصلحة العامة وتقديم التنازلات أمام المصلحة العليا للأوطان ينتفي من قاموس السياسة في لبنان. ويبتعد أيضاً عن مفهوم أن العمل في الحقل العام يقتضي التضحيات وليس التحاصص على حساب ذلك الحقل. فمسألة حل عقدة توزير فلان يتبع طائفة معينة أهم بكثير من حل عقدة الكهرباء أو تأمين المياه للناس أو حل مشاكل الصحة والمستشفيات وزحمة السير وتوفير فرص عمل وغيرها العديد من المشاكل.

ترقب إعلان ولادة الحكومة خلال الأيام المقبلة لن يكون نهاية المطاف في درب الجلجلة التي يُصلب على خشبتها اللبنانيون، فالبيان الوزاري والعلاقات اللبنانية السورية التي قد يكون معبر «نصيب» إحدى ممراتها الإجبارية وملفات شائكة أخرى قد تشكل مواضيع إشكالية تنقل التجاذب بين الأطراف من عقد التوزير إلى «حلبة» مجلس الوزراء الذي يترقب اللبنانيون مطباته الكثيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى