أمكنة

الإضراب الشهير..إضراب عمال معمل الغندور 1972.هذه حكايته

مناطق نت

وحده إضراب عمال معمل غندور في العام 1972 كان التزكية الوطنية والثورية لكل أول ايار أعقب ذاك الحدث، وقبله كان عيد العمال مناسبة بكماء ومستوردة، لكن بعده توطنت على تربة محلية، والإضراب الشهير الذي ما زال يدوي في تاريخ الحركة العمالية اللبنانية، تجاوز نفسه، وفاض عن مطلب عمالي محدود إلى مطالبات بإعادة النظر في العقد الوطني والاجتماعي ككل، وفتح الأبواب أمام لاعبين جدد للدخول إلى مسرح السياسة، يحملون أفكارا وثقافات سياسات تهدد قواعد لعبة الصراع على السلطة لتنفتح على آفاق جديدة، بعد أن كانت تحتكم حصرا على الطائفية والمذهبية والمناطقية.

النقابي أحمد الديراني روى منذ فترة على صفحته بمواقع التواصل الاجتماعي حكاية ذاك الإضراب، وتنقلها “مناطق نت” حرفيا كما كتبها:

كنت في تلك المرحلة (1972) المسؤول المباشر الأول في “منظمة العمل الشيوعي” عن عملنا النقابي، العمالي والحزبي في معمل غندور. وكنت قد عملت في المعمل منذ سن الـ17، صيف عام 1967. كانت عادة العائلات الفقيرة ومتوسطة الحال  ترسل أبناءها إلى المدارس شتاء وإلى العمل صيفا. وعملت فيه مجددا بين عامَيْ 1969 و1970 وبدأت المنظمة تأسيس اللجان العمالية في معمل غندور وأطلقت المنظمة خلال عامي 1970 -1971 شعارها المركزي “التمحور العمالي”. عملتُ خلال هذه المرحلة بتوجيه وتحت قيادة الرفيق اسماعيل البواب (ريمون)؛ كان هدفنا تأسيس منظمة لجان عمالية في المعمل. وشكلت المنظمة لاحقا “تجمع اللجان العمالية” على المستوى الوطني، وكان التنظيم العمالي والنقابي “القاعدي” لمنظمة العمل الشيوعي.

في تلك السنوات تأسست عدة لجان عمالية في أكثر من قسم في معمل غندور في الشياح وفي الشويفات. كان يتم ذلك بسرية تامة بسبب حدة القمع الممارس من أصحاب المعمل، وخطر الصرف من العمل عند الاشتباه بأي شيء، ومن دون أي تعويضات.

وفي 1972، عام الإضراب، كنت أمين سر الخلية المسؤولة مباشرةً عن نشاطنا في معامل غندور وفي قطاع السكاكر وعضو قيادة القطاع العمالي. ضمت الخلية آنذاك الرفاق، الشهيد عبد الرحمن لاوند (سيمون)، هاني مندس، رضا اسماعيل، نادين عاقوري (وردة) والرفيق رفعت النسر (شاكر) والذي كان أيضا عضو مكتب سياسي في المنظمة مُقررا ومشرفا على القطاع العمالي. ودرجت العادة أيضا، أن يكون أعضاء المكتب السياسي أعضاء مواظبين أيضا في خلايا محددة.

 

بعض الوقائع حول اللحظات الأولى للإضراب:

كنت أقيم في غرفة منفصلة” من الإترنيت” في منزل العائلة في الشياح، وكانت هذه الغرفة مقر لقاء العناصر الأساسية في اللجان العمالية في المعمل. وفي هذه الغرفة، ليل السبت 4 تشرين الثاني 1972، اجتمعت اللجنة الأساسية في المعمل – التي تتابع عمل سائر اللجان – وقررت إعلان الإضراب في معامل غندور، على أن يُنفَّذ القرار يوم الاثنين. كان السبب المباشر لقرار الإضراب عدم دفع أصحاب المعمل زيادة غلاء المعيشة (5%) التي أقرتها الدولة آنذاك.

ولكي أنطلق أنا شخصيا في تنفيذ قرار الإضراب الذي كنا نعي خطورته – فقد سبق وتحرك عمال الغندور عام 1967 أو 1968، وكانت النتيجة طرد نحو 35 عاملا، بينهم الرفيق محمد الموسوي (شكري) عضو يسار حركة القوميين آنذاك، تحول هذا اليسار الى منظمة العمل الشيوعي بعد الاندماج مع تنظيم لبنان الاشتراكي،. لهذا والتزاما بالانضباط الحزبي كان علي أخذ موافقة الرفيق شاكر، مقرر القطاع العمالي. ذهبت مساء الأحد إلى منزل الرفيق أحمد بيضون حيث كان يجتمع المكتب السياسي وتكلمت مع الرفيق شاكر الذي كان رأيه “ليك يا رفيق صالح (اسمي التنظيمي) بدك تنتبه كتير إنو يكون أغلبية العمال مع الإضراب مش أقل من 70 %، ودير بالك بلاها لا تفوتوا بالإضراب”.

 

في اليوم التالي، صباح الاثنين باكرا، ذهبت أنا وعضو خلية الميكانيك وجاري في الشياح الرفيق محمد شريم (تيسير) إلى المعمل وكنا نتساءل على الطريق ” كيف بدنا نعرف إنو أكتر من 70% من العمال مع الإضراب؟ إذا ما بلشنا بالدعوة للإضراب؟”. ومع توافد العمال بدأنا، بالتعاون مع بعض أعضاء اللجان العمالية، بدعوتهم إلى الإضراب: “لأنو بدنا زيادة الـ5%” واعتراضا على ممارسات تسلطية ومهينة في العلاقة مع العمال وخصوصا العاملات. بعد عمليات مد وجزر بين العمال وشفيق الغندور، أحد أصحاب المعمل، الذي شتم نساء وأمهات العمال الذين شعروا بالإهانة، انتفض العامل يوسف الفليطي من عرسال، عضو اللجان العمالية لكرامته شاتما صاحب المعمل ومتصديا له ثم انطلق أمام العمال للخروج من الباحة الداخلية إلى الخارج. كان لفورته أثر كبير على العمال الذين تبعوه إلى الخارج، وانطلق الإضراب. مرّ الإضراب بمراحل متعددة من الصعود والهبوط؛ تم إطلاق النار يوم السبت 11 تشرين الثاني 1972 وكان نتيجة المجزرة سقوط عدد من الجرحى والشهيد يوسف العطار العامل في معمل غندور وعضو اللجان العمالية أمام بوابة المعمل في الشياح. وكانت من الضحايا حينها، بالصدفة، الفتاة فاطمة الخواجة على بعد 300 متر من مكان المواجهة. حقق الإضراب الانتصار الأول بتحقيق المطالب وعودة العمال جميعهم إلى المعمل. في نهاية المطاف انتهت المواجهة بأن أقفل أبناء الغندور المعمل ليفتحوه لاحقا بعد صرف معظم أعضاء لجنة الإضراب والناشطين آنذاك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى