رصد-قديم

“الاتفاق الكبير” الذي حمله ماكرون لترامب ويؤسس للشرق الأوسط الجديد

مناطق نت

تعاملت الولايات المتحدة الأميركية بجدية مع زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، وهذا الاهتمام منبعه ما يحمله ماكرون من مشاريع كبرى، توقف انحدار الغرب وتضاؤل دوره في العالم وخصوصا في الشرق الأوسط، ويُسجل لماكرون خلال هذا العام سلسلة من المواقف تؤسس لهجوم مضاد يعيد أوروبا إلى المنطقة، بدءا من قيادته الوساطة بين إيران وأميركا، وثم إقناعه ترامب بتأخير الانسحاب من سوريا إلى مشاركته في الضربة الثلاثية لمواقع النظام السوري ودعوته إلى عملية سياسية لحل لإنهاء الحرب السورية على أسس جنيف.

في الواشنطن بوست كتب ديفيد اغناتيوس عن زيارة ماكرون وكشف عن المشاريع الكبرى التي حملها معه، وهذا بعض ما جاء في هذه المقالة المهمة:

خسر ماكرون بالفعل معركته لإقناع ترمب بالاستمرار في الاتفاق النووي الإيراني. ويبدو أن «رهانه» اليوم يميل إلى كفة أن ترمب سيعلن 12 مايو (أيار) انسحابه من الاتفاق. وعليه، يركز ماكرون اهتمامه على ما سوف يلي ذلك. وقد أخبرنا أنه أنجز أمرين مع ترمب: حصل على دعمه لاستمرار «المشاركة» الأميركية في إرساء الاستقرار في سوريا، وحثه على «الانفتاح إزاء إبرام اتفاق شامل جديد» بخصوص إيران -أي «اتفاق أكبر»، حسب تعبير ترمب، يحل محل الاتفاق «البشع» الذي وقّعه الرئيس باراك أوباما، ويستمر لفترة أطول، ويتناول اختبارات الصواريخ الباليستية والسلوك الإقليمي لإيران.
ومن الواضح أن ماكرون يحاول اجتذاب ترمب نحو فكرة كبيرة للغاية، ذلك أنه يتحدث عن صفقة كبرى تجذب جميع العناصر الكبرى -روسيا وتركيا وإيران والسعودية والولايات المتحدة- لبناء هيكل أمني إقليمي يبدأ باتفاق لإحياء سوريا. ولا تعد هذه فكرة جديدة، فقد سبق أن درس دبلوماسيون صوراً منها منذ اشتعال الحرب الأهلية السورية عام 2011.
وبصورة ما، يبدو هذا الأمر محتوماً، فعندما تضع الحرب السورية أوزارها، من المؤكد أنه ستظهر مثل هذه الصيغة. إلا أن التساؤل هنا: ما الذي يمكنه الاضطلاع بمثل هذا المشروع الهائل؟ وهنا، يبدو المزيج القائم بين ترمب وماكرون مثيراً للاهتمام. في الواقع، إقرار صفقة كبرى على مستوى الشرق الأوسط يمثل بالفعل نمط «الاتفاق الكبير» الذي يحلم ترمب بتحقيقه. ومع هذا، فإن الوصول إلى هذا الأمر يتطلب منه معاوناً ذكياً حلو اللسان، لكن دون أن يشكل تهديداً له. وهنا يظهر دور ماكرون.
من جانبه، أخبرنا الرئيس الفرنسي أنه ينظر إلى دوره باعتباره «وسيطاً أميناً» يعمل على تيسير الطريق أمام الدبلوماسية الأميركية مع روسيا وتركيا وإيران.
جدير بالذكر، أنه عندما كان بالطائرة في طريقه إلى واشنطن، أجرى ماكرون اتصالاً هاتفياً بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وبعدما غادر، خطّط للاتصال بالرئيس الإيراني حسن روحاني.
وعندما استمعتُ إلى ماكرون وهو يشرح استراتيجيته، تذكرتُ رجلاً آخر ذكياً وقادراً على تحريك من حوله ونجحت دبلوماسيته في إنقاذ قوة أوروبية كانت في حالة انحسار: الكونت مترنيخ النمساوي الذي صاغ كونغرس فيينا (1814 – 1815)، والذي نجح في إرساء الاستقرار على مستوى أوروبا على امتداد قرابة قرن. وقد وصفه هنري كيسنغر في كتابه «عالم جرت استعادته» الذي نشره عام 1957 على النحو التالي: «كانت عبقريته كامنة في استغلال ما لديه، وليس عبقرية إبداعية. لقد برع في التلاعب والتأثير على الآخرين، وليس في البناء». وكان مترنيخ يفضل «المناورات الخفية على الهجوم المباشر». هل يذكركم هذا الوصف بالرجل الذي زار واشنطن هذا الأسبوع؟
لقد أخبرنا ماكرون أنه يعتبر نفسه مثل ترمب، لأن كليهما يضطلع بدور شجاع داخل نظامه. وربما يمكنه إضافة أن كليهما بارع في الاستغلال، وأن كلاً منهما ربما عثر على سبيل نحو استغلال الآخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى