أحوالمعاش

الازمة الاقتصادية في لبنان تعيد الصناعات الوطنية إلى الواجهة

الازمة الاقتصادية في لبنان التي ولدت من رحم الانهيار الكبير في سعر صرف الليرة في أواخر العام 2019، فضحت جميع السياسات الاقتصادية والمالية المتبعة منذ عقود فارضة تغييراً كبيراً على الحياة بشكل عام ونمط الاستهلاك في لبنان بشكل خاص.

حاصر انخفاض سعر صرف الليرة مقابل الدولار، الاقتصاد اللبناني الريعي الذي كان يفتقر إلى صناعات وطنية، معتمّدا بمجمله على الاستيراد من الخارج. الأمر الذي فاقم معاناة اللبنانيين جرّاء فقدان سلع أساسية يعتمدونها في استهلاكهم اليومي، وفي مقدمها الدواء والغذاء. فمن ناحية فُقدت العملة الصعبة من السوق ومن ناحية أخرى فرضت المصارف قيودا صارمة على حسابات المودعين.

هذه العوامل أدت إلى انخفاض الاستيراد من 19.2 مليار دولار عام 2019 إلى 10.1 مليار دولار عام 2020. كما قيمة الصادرات من 3.7 مليار دولار إلى 3.2 مليار دولار عام 2020 بحسب أرقام غرفة التجارة والصناعة والزراعة في عام 2019 حتى شهر تشرين الثاني من العام الماضي.

توضح الأرقام أنّ لبنان بلداً استهلاكياً بامتياز وفي الوقت نفسه غير منتج. نمط الاستهلاك فيه يُذكّر بالمثل القائل ” بيتديّن ليتزيّن” وهذا المثل ارتبط ارتباطاً وثيقاً بطبيعة استهلاك المواطن اللبناني التي يرتكز جزء كبير منها على المظاهر التي قد يلجأ إلى استقراض الأموال من أجلها. فالثقافة الاستهلاكية ميزة مجتمعية تحكمت باللبنانيين لعقود، حيث التباهي بشراء أهم الماركات واقتناء السيارات هاجس يومي لديهم. فكيف يتصرف الشعب لتجاوز تلك الازمة الاقتصادية في لبنان؟

 

تراجع الإستيراد حفّز القطاع الصناعي

الازمة الاقتصادية في لبنان شكّلت تحديّا أمام اللبنانيين وثقافة الاستهلاك لديهم. وبالرغم من أن عدداً كبيراً من المؤسسات الصناعية أقفلت أبوابها، إلا أنَّ عدداً لا بأس به توسّعت مشاريعه كما المشاريع الفردية الصغيرة.

الازمة الاقتصادية في لبنان
أحمد ترو يمارس عمله في إنتاج اللومبدير. والذي نشط بعد الازمة الاقتصادية في لبنان.

مؤشرات بسيطة لكنها تدل على تبدُّل وجهة اللبنانيين لناحية نمط الاستهلاك من المستورد إلى المحلي. يؤكّد صاحب مشروع “لمبة” أحمد ترّو أنّ عمله نشط خلال هذه الفترة حيث فضل المستهلكون شراء مصباح من إنتاج لبناني تكلفة وتصميماً وذوقاً، على شراء آخر جاهز من السوق بقيمة  10 $ والتي تتصاعد قيمتها بالنسبة للعملة الوطنية يوماً بعد يوم. فضلا عن إنقطاع بعض القطع المستوردة من السوق والإستعاضة عنها بمنتجات لبنانية كأغطية المصباح.

ترّو قال لـ “مناطق نت” إنّه عرض على إحدى المؤسسات التجارية صناعة “مدقة ثوم” قبل الازمة الاقتصادية في لبنان  ليأتيه الجواب من صاحب المؤسسة بالرفض. فالأخير فضّل استيرادها من الصين بسعر زهيد جداً. الأمر اختلف منذ أشهر قليلة حين عاود صاحب المؤسسة نفسه الإتصال بـ ترو من أجل المباشرة بصناعة “المدقة” بسبب ارتفاع تكلفة الاستيراد.

الازمة الاقتصادية في لبنان
صورة لمصنع نيفو ستايل الذي شهد نموا طفيفا في ظل الازمة الاقتصادية في لبنان.

قطاع الألبسة نموذج آخر على تبدل نمط وجهات اللبنانيين في الاستهلاك. معمل خياطة يصنّع منتجات لماركة محلية خير دليل على ذلك، حيث شهد حركة نمو طفيفة تساعدهم على الاستمرار والبقاء في خضم هذا الانهيار الاقتصادي. توضّح مسؤولة المبيعات في المعمل نيفين يحفوفي أن تشجيع الصناعات الوطنية سببه توجّه بعض التّجار والأفراد إلى استبدال الاستيراد من الخارج بملبوسات وطنية.

يحفوفي قالت لـ “مناطق نت” أنه بالرغم من أن تكلفة الملبوسات الوطنية توازي التركية بسبب اضطرار المعامل إلى استيراد المواد الأولية إمّا من الصين أو من تركيا كالأقمشة والأزرار، إلاّ أنّها توفّر مقاسات متنوعة بجودة مميزة تغطي النقص في الأسواق التركية. فضلاً عن توفير كلفة الشحن على التاجر عند الشراء من الأسواق اللبنانية التي أصبحت كلفتها عالية والدفع باالدولار للأسواق الخارجية بحسب يحفوفي.

وللمجوهرات المصنوعة يدوياً حصة من النمو في ظل الازمة الاقتصادية في لبنان، فالشابة سينتيا أبي عقل استفادت من موهبتها في صناعة الحلي بالإضافة إلى ذوقها الرفيع. فقررت البدء بمشروعها مع تغير عقلية المستهلك، فهي تعتبر أنّ الأشخاص توجهت من شراء الذهب إلى شراء الحلي المصنوعة يدوياً وتخلت عن إهتمامها بالماركات العالمية.

 

الصناعات الوطنية بديلاً استهلاكياً في الازمة الاقتصادية في لبنان

مع ارتفاع نسبة اللبنانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر من 30 % قبل أواخر 2019 إلى 50 % اليوم. تشرح الشابة أماني أبو ذياب كيف تخلت عن الماركات متوجهة إلى المنتجات الأقل كلفة ومنها المنتجات الوطنية: استبدلت على سبيل المثال مزيل الماكياج من منتج مستورد (ماركة فرنسية) والغسول أيضاً بصابونة محلية الصناعة كبديل عن المنتجين وكنوع من التوفير.

كما انتقلت من استخدام  فوط  صحية أجنبية مستوردة إلى أخرى صناعة وطنية كسعر أنسب لكنها تعبر عن سخطها لارتفاع هكذا منتج أساسي في حياة كل فتاة.

تتابع أبو ذياب حديثها عن المنتجات الغذائية قائلة: “كنّا نشتري لونا، بوك هلق ما بتعرفي حالك شو عم تشتري بسعر أغلى من الماركات يلي كنت تشتريها قبل”. لكنّها تصف أنّ تجربتها بالعموم مع الصناعات الوطنية جيّدة وستتمسك بها حتّى لو استقرّ سعر الصرف. إضافة إلى تنويهها بإيجابية الازمة الاقتصادية في لبنان  بتعريف المستهلك على  بعض من منتجات وطنية .

من جهتها تستنكر ماي المقبلة على الزواج ارتفاع الأسعار حتّى بالمنتجات الوطنية، فعلى سبيل المثال طن الترابة ارتفع سعره من 250 ألف إلى مليون ونصف. كما تشكو تصدير أجود أنواع المزروعات إلى الخارج وبيع المحصول السيء داخل الأسواق اللبنانية وتضيف: “هالاجراء هيدا كمان بيخلينا ما نعود نوثق بالمنتج الوطني لأن المنيح مش إلنا”.

ويؤكّد الشاب حسين أن استهلاكه محصور بالحاجات الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها معتبرا أنّ الناس في الفترة الأخيرة توجّهت إلى المنتجات الوطنية التي لا تفوق جودتها أحيانا المنتجات الأجنبية.

وفق المثل القائل “مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد” شكّلت الازمة الاقتصادية في لبنان التي يمر بها لبنان فرصة لا بأس فيها أمام الصناعات الوطنية. إلاّ أنّ هذه الصناعات لا زالت تعاني العديد من المشاكل، أبرزها يتمثّل في عدم توفر مواد أولية لبنانية وتقاعس الدولة عن القيام بواجبها في تأمين الدعم اللازم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *