جريدة

أسرعوا في إعادة البناء… قبل ظهور ستالين لبناني

ينتظر البعض أن يرى صخورا ملقاة في الشوارع، وأبنية محطمة، ونوافذ قد تناثر زجاجها في الأرجاء. ينتظر أن يرى صورة مثل هذا الخراب ليصدق أن الانهيار في لبنان قد حصل، ولا طائل من وقفه.

انهيار الدول والمجتمعات لا يكون على هذه الصورة أبدا. يكون على ما جرى في لبنان بالضبط في 17 تشرين 2019. وقتذاك تم تشييع لبنان القديم إلى مثواه الذي لا رجعة منه. وما بعد ذلك، كان هناك أمور أخرى، تتعلق بإعادة البناء، كيفية وتوقيتا، والأهم، من هم البنّاؤون.

الانهيار  في لبنان هو المرحلة الأسهل في ولادة لبنان الآخر، ولن نقول الجديد، لا نملك المنسوب المطلوب من التفاؤل والطموح لنقول لبنان الجديد. لكن نقول بحزم وحسم، لبنان آخر ومختلف في طور الظهور.
لقد بدأ زمن الشدّة أو نحن الآن في خضم هذا الزمن. هكذا تقول تجارب إعادة بناء الدول والمجتمعات في التاريخ. وما يضاعف من هذه الشدّة، أن النخبة الحاكمة، لا تملك خارطة وطنية شاملة أو تصميم ذهني يراعي مساحة كبيرة من المصالح لإعادة البناء.

كل ما يدور الآن، متروك لصراع أنانيات النخبة الحاكمة. والمثير للشفقة، هذه الأنانيات ما زالت متمسكة بتجارب فاشلة وتافهة، لا بل لا تريد أن تعترف بمسؤوليتها عن الخراب والدمار الذي ألحقته بالناس، في حين تلقي هذه المسؤولية على مجهولين، من قبيل الدولة العميقة، وتراكم سياسات الحريرية، وما خلّونا.

انهارت الأمبراطورية العثمانية، لكن سايكس بيكو كانت جاهزة لإعادة تركيب ما تفكك، وتم لملمة مخلفاتها في مؤتمر فرساي. وهدم لينين الأمبراطورية الروسية، لكن بالمقابل كان ستالين جاهزا لإعادة البناء. وبعد أن أحال ماو تسي تونغ الصين إلى خرائب وأنقاض بثورته الثقافية، أعاد دينغ سياو بينغ بناءها بتصوراته المذهلة، وها هي اليوم، تعد عدّتها لقيادة الكوكب بالتشارك مع أميركا.

طبعا قد بالغنا بهذه الأمثلة، فلن يخرج من النخبة الحاكمة في لبنان أو تلك التي تتشكل على الطريق أمثال هؤلاء البناة الاستثنائيبن، التاريخ لا يتصرف بهذه الطريقة ولا يحب التكرار، ولبنان ليس بحاجة إلى هذا القدر من العظمة، إنما يكفيه ميكرو عظيم، ليس بالضرورة أن يكون شخصا أو حزبا، لكنه بالتأكيد هو رؤية تعي الحاضر وتستوعب المستقبل.

ما يجب قوله، لبنان القديم شبع موتا، وحكّامه اليوم وبالأمس، لم يخرجوا من بين أرجل النساء حكّاما، هم وُلدوا من رحم مصالح ومشاريع داخلية وخارجية، هي مواهبهم الحقيقية لا غير، وهذه المصالح قد انتهت وصارت عظاما رميما، ولا تحييها سياسات النكد والعناد والابتزاز.

بالمقابل مصالح جديدة للناس تنهض على أنقاض المصالح القديمة، وبالتوازي مع نهوضها، تبلور سياستها وثقافتها وإيديولوجيتها وتنظيمها بالتدريج، لتتحول فيما بعد إلى قوة ضغط هائلة تملك رؤيتها وتسحق كل من يعترض طريقها.

النخبة الحاكمة في لبنان، أكثر وعيا من فرعون وكهنته، فهي لا تخشى من ولد سيولد ويذهب بملكها على يديه، إنما خوفها من كل فكرة جديدة أو رؤية بديلة تهدم إيديولوجياتها وثقافاتها التي تحمي من خلالها مصالحها ومشاريعها ما قبل الانهيار في لبنان، لذا كانت مناوراتها والتفافاتها على كل طرح تغيير أو إصلاحي يؤسس لبناء لبنان آخر.
“مناطق نت”، منحاز إلى هذه الرؤية الجديدة، ولو أنها لم تولد، لكنها ستولد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى