أحوالمعاش

أسواق البالة في لبنان تنتعش.. وداعاً للثياب الجديدة

 

انتعاش أسواق البالة في لبنان (الألبسة المستعملة) في معظم المناطق اللبنانية يؤشر إلى أن تبدُّلاً جذرياً طرأ على نمط الاستهلاك لدى اللبنانيين. أو بعبارة أشد قسوة أن نمط الاستهلاك لديهم والذي كان سائداً قبل العام ٢٠١٩ قد مات وقد انتهى إلى غير رجعة، وهناك نمطاً استهلاكياً جديداً آخذ في التبلور.

لقد طرقت الأزمة الاقتصادية العنيفة أبواب العائلات اللبنانية الفقيرة والوسطى، فأجبرتهم تحت وطأة الارتفاع للجنوني لأسعار الدولار مقابل الليرة، أن يجدوا بديلاً لحاجياتهم الأساسية بدءاً من الطعام وصولاً إلى اللباس. فاللبناني الذي كان يرتاد المولات ومراكز الألبسة الفخمة غيّر وجهته قاصداً أسواق البالة.

بعد الأزمة انتشرت أسواق البالة في لبنان والتي تضم محلات مخصصة لبيع الألبسة المستعملة بشكل كبير وفي معظم المناطق، ولم تميّز بين الأحياء الشعبية وتلك التي كانت تعتبر واجهة لبنان السياحية كالحمرا. وبالرغم من أسواق البالة في لبنان  تعود إلى ما قبل الحرب الأهلية عام 1975، إلا أنها عادت بقوة الآن  تحت وطأة الأزمة.

قبل الأزمة، انحسرت إلى حدٍ كبير أسواق البالة لمصلحة الـ Outlet، وكان الشخص الذي يقصد البالة يقصدها خجلاً ومتخفياً. أما الآن فانقلبت الموازين ليصبح التسوق من البالة أمراً طبيعياً، والسبب في ذلك أن شراء ثياب جديدة أصبح خارج قدرة الكثير من اللبنانيين، والمثل على ذلك أنك لن تجد قميصاً جديداً يقلّ سعره عن 200 ألف ليرة كحد أدنى.

KML-LogoFullscreen-LogoGeoRSS-Logo
اسواق البالة في بيروت

loading map - please wait...

حي السلم: 33.859796, 35.507813
برج البراجنة: 33.839089, 35.504594
سوق الأحد الشعبي: 33.882619, 35.531534
برج حمود - مرعش/اراكس: 33.892362, 35.542059
البالة في لبنان وجهة الكثيرين

تروي لنا المدرّسة كريمة الحسين أنّها وزميلاتها إتّجهن نحو أسواق البالة في لبنان، فمعاشها الذي لا يتخطى المليوني ليرة (100 دولار) لم يعد كافياً لشراء بدل واحد بينما تؤكّد أنّ 50 ألف ليرة لبنانية كافية لشراء 5 كنزات أو بدلاً كاملاً (صندل وكنزة وبنطال) من البالة.

وبالرغم من كونها مستعملة، إلا أن الملابس الموجودة في البالة تقدّم لك فرصة إقتناء أهم الماركات مقارنة بمحلات الثياب الجديدة. وتشير الحسين أنّ أحياء البقاع الغربي باتت تعجّ بأسواق الثياب المستعملة، ففي الحي الواحد يمكنك أن تجد محلّين أو ثلاثة.

من جهتها تستنكر الشابة يولو نصرالله الفكرة السائدة في لبنان عن مثل هذه الأسواق،. فهي تعتبر أنّ التسوق فيها هو أمر ممتع، وهي وسيلة للتعبير عن النفس وصديقة للبيئة أيضاً. كما أنّها تشكو ارتفاع أسعار الثياب الجديدة، فالفستان الذي ترتديه فقط في المنزل ارتفع سعره من 10 آلاف ليرة ليصل إلى  300 ألف ليرة لبنانية.

لهذه الاسباب تفضّل نصرالله الشراء من البالة في لبنان موضحة أنّ جودة البضاعة تعتمد على الأسواق التي يقصدها الناس. ففي جبيل وحارة حريك بالات جيدة جداً على حدّ قولها.

التسوق في أسواق البالة لم يعد مقتصراً على الذهاب إلى المحلات. العديد من الصفحات على “الانستغرام” تهتم بالتسويق لألبسة “البالة”. هبة العمري، وهي موظفة في محل ألبسة، روت لـ “مناطق” كيف باتت تتابع صفحات الألبسة المستعملة على إنستغرام. العمري كانت كأي مواطن لبناني راتبه كان يسمح أن ينتظر التخفيضات من أجل الذهاب إلى المول للتسوق. لكن مع تدهور القيمة الشرائية للراتب بشكل كبير توقفت كليا عن الشراء إلى أن صادفت صفحة للبالة أونلاين. فبدأت تبحث عن الصفحات الأخرى المشابهة.

العمري توقفت عن متابعة صفحات الثياب الجديدة وأزالتها عن حسابها، فضلاً عن تشجيعها لصديقاتها للشراء من البالة في لبنان. الموضوع لم يتوقف عند الشراء بل هي تفكّر حالياً في افتتاح مشروعها الخاص بعرض ثياب مستعملة، نظراً إلى جمود حركة السوق حتى في  الأيام التي تسبق عيد الأضحى.

البالة في لبنان أونلاين

بين موسم وآخر، يلجأ معظمنا إلى التخلص من ثيابه القديمة التي لم تعد تناسبه. إلاّ أنّ هديل الحسن وجدت في ثيابها القديمة مشروعاً جديداً لجني المال: ” كانت ماما عم تعزل خزانتها، فقلتلا إنو جمعيلي إياهن وبركي منفتح فيهن صفحة ومنبيعن”.

بدأت هديل وأمها وأخواتها بتجميع ثيابهنّ ثمّ عرضهن على صفحة أطلقن عليها اسم “Littlethriftsho.lb“. وعندما وجدن إقبال الناس على الصفحة، قرّرن التوسُّع  بالمشروع  ليتشاركنه مع أقربائها.

تنفي الحسن تأثير ارتفاع سعر الصرف الدولار على مشروعها، لأنّ أسعار البضاعة تحدّد وفقاً لصلاحية القطعة المعروضة. إلاّ أنّها تنبّه من بعض الصفحات الأخرى  التي تستغل ارتفاع سعر صرف الدولار، فتعرض البضاعة المستعملة بأسعار باهظة.

هديل وعائلتها أيضاً هنّ مستهلكات للبضاعة المستعملة، فهنّ أيضاً يقصدن أسواق البالة في لبنان التي تتيح الفرصة أمامهنّ لشراء ماركات عالمية بأسعار مقبولة.

 

سوق الخلنج نموذجاً

عندما قصدنا شارع الحمرا للبحث عن أسواق البالة في لبنان هناك، استوقفتنا عبارة “خود واعطي” الموجودة على واجهة إحدى المحلات. بعد البحث وجدنا أنّ لهذا المحال قصة تساند الناس في هذه الأزمة الاقتصادية.

فالشاب عمر عيتاني قرر يوماً أن يتبرع بثيابه إلى ناطور البناية التي يسكن فيها، لكنّ الثياب لم تكن جميعها تنسابه. فسأل عيتاني الناطور عن تصرفه بهذه الثياب، ليردّ الأخير قائلا: “بدهورها”. هذا التصرف أساء  عمر الذي قرر فيما بعد قصد البيوت الأقل دخلا ليلبي حاجاتهم في الثياب من أغراضه وأقرانه.

تطورت الفكرة في العام 2018 إلى افتتاح محلات من البالة في لبنان. فلدى مؤسسة fabric Aid (المؤسسة التي أسسها عمر العيتاني) مستودع تجمّع فيه الثياب أو الأحذية التي يتبرع بها الناس  لإعادة تدويرها. ثمّ تُعرض الثياب  في  أسواق الخلنج الموجودة في طرابلس، عكار، وادي الزينة وبرج حمود. وتتراوح أسعارها  بين 500 و3000 ليرة لبنانية للقطعة الواحدة.

تؤكّد ليليان الحلواني أنّ جميع الأرباح التي تتلقاها المؤسسة تُستثمر في فتح فروع جديدة من أسواق الخلنج.

البالة في لبنان
أشخاص تشتري من البالة في لبنان

ويضاف إلى هذه المحلات، محل يسمى ب” second base” ونصيبه من الثياب المتبرعة نحو 6 %. هذا المحل يحتوي على ثياب غريبة لا تستهوي الطبقات المحدودة الدخل ومعدل أسعارها 80000 ليرة لبنانية.

لكن في سنة 2020 ومع تدني القدرة الشرائية لأغلب العائلات القاطنة في لبنان، وجدت المؤسسة حاجة في افتتاح “سوق عكاظ”  تلبية لحاجات العائلات الوسطى التي لا تزال قادرة على شراء ألبسة تفوق قيمتها 3000 ليرة لبنانية. هذا السوق الموجود في شارع الحمرا تقوم فكرته على شراء الألبسة المستعملة من الناس وإعادة بيعها لأشخاص آخرين.

كما استفادت fabric Aid من هذه الأسواق، لكي تدعم أسواق الخلنج في ظل الإرتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار. فالحلواني تؤكّد عدم قدرتهم على رفع الأسعار تقديرا منهم بأنّ رواتب المواطنين لا تزال نفسها. ونوّهت بالإقبال الكثيف على أسواق الثياب المستعملة  بعد الأزمة الاقتصادية.

التسوق من البالة في لبنان لم يعد وحده مؤشراً لانحدار مستوى قدرة شراء اللبنانيين إلى الحضيض، فأمور أخرى كثيرة إلى جانب البالة تدل على الحالة المأساوية التي وصلت إليها الحالة الإقتصادية للمواطن اللبناني. وهي ليست مسألة ثقافة بقدر ما هي علامات قاتلة تدل على أن هناك أياماً صعبة وصلنا إليها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *