مواسم

البحث عن جثتين: الأولى في اسطنبول وأخرى في الرياض

حسين حمية

قلبُ هذا العالم هو أكثر وحشية وقسوة من أن يتألم لتصفية صحافي بطريقة دموية مقززة، كما أن هذا العالم ما عرف يوما شيئا اسمه حرية رأي، ولو أن هذا العالم عرف مثل هذه الحرية لكان خرائب أو مدنا أفلاطونية، لكن ما كان ليكون أبداً على هذه الحال. هناك “لعبة رأي” لا علاقة لها بالحريات بقدر ما تقوم على موازين القوى واحتكار المعلومة وتوزيعها بالتوقيت المناسب للاستثمار والتأثير. أليست مصادفة فاضحة ان يتزامن قتل صحافية بلغارية مع اختفاء الإعلامي السعودي المعروف جمال خاشقجي؟ الفاضح في الأمر، هو أن “لعبة الرأي”، جعلت الواقع في بلغاريا، بوقائعه المؤلمة والعنفية والاغتصاب والموت، يتراجع، لتتقدم عليه “وقائع” متخيلة وغير مثبتة يتجرعها الرأي العام العالمي على دفعات عن حكاية قتل في اسطنبول وتمزيق لحوم ونشر عظام قبل التحقيق وقبل الأدلة وبدون جثة.

ما بين وقائع القتل البلغاري لتلك الصحافية التي كانت عن تدافع عن مصالح صغيرة في بلدها، والحقائق المتخيلة عن القتل السعودي في اسطنبول، تنتصب جبال شاهقة من المصالح الدولية، بهذا ينشغل العالم، لا بجثة ولا بحرية رأي ولا بماساة فتاة مخطوبة تنتظر عرسها، إنما بصراع كبير اسمه المشفّر “المشروع الإصلاحي لولي العهد السعودي محمد بن سلمان” أو “رؤية 2030″، وفيه لو نجح، ستتحرك ألوف مليارات الدولارات من خزائن هذه الجهة إلى خزائن تلك الجهة، خزائن لا هوية ولا قومية ولا دين ولا عقيدة لها، لا قيمة لمثل هذه الأسئلة، إنها خزائن فقط.

خاشقجي قد يكون جثة بالضخ الإعلامي وقد يكون هكذا بالحقيقة الآن، لكنه في “لعبة الرأي” كما كان في حياته، هو في موته المتخيل أشد فعالية في عرقلة مشروع بن سلمان الكبير، فالأمور ليست بهذا التبسيط الجنائي، ولا علاقة لكاميرات قنصلية السعودية في اسطنبول بها، فاللعبة من فوق، ليست معنية بمتابعة هذه التفاصيل، إلا بقدر فاعلية نتائجها.

انتقال أموال بمثل هذه الكميات الهائلة، لا تتم بشيكات أو تحويلات مصرية أو بعمليات نصب واحتيال بدائية، ولا حتى بخوّات كما يفعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع السعوديين أو الأوربيين فهذه تنجح لمرة واحدة، إنما بمشاريع سياسية ضخمة، من أدواتها، إيديولوجيات وقيم جديدة وحروب وتحالفات وضرب مراكز نفوذ في الداخل والخارج.

الكل عينه على “رؤية 2030” لبن سلمان، وليس على مصير خاشقجي، فالحرب عليها انطلقت منذ كانت مشروعا على الورق في معاهد التخطيط، وقبل إزاحة محمد بن نايف عن ولاية العهد، تحتاج هذه “الرؤية” إلى تعديل القيم السعودية لجهة دور المرأة وتمينها من بعض الحقوق، ومحاربة أشكال من التزمت الديني، كما احتاجت إلى ضرب مراكز نفوذ اقتصادية وسياسية داخلية، كما حدث في سجن الأمراء والاكتتاب في أرامكو، إضافة إلى تحصينها بعداءات تشد من عصبها المذهبي والقومي،ولو أدى ذلك إلى تقويض الاتفاق النووي مع إيران.

وهي هذه الرؤية نفسها إدت إلى انقسامات أميركية ودولية، وتعبئة سياسية وإعلامية واقتصادية وفكرية للطرفين. ما ليس خفيا، ان مشروع بن سلمان كان يواجه صعوبات كبيرة في الداخل، خصوصا لجهة اقترابه من محتوى الديني لهوية المجتمع السعودي، وخاشقجي كان جزءا بسيطا من هذه الصعوبات، والسلطات الملكية في الرياض تدرك قوة الجهات الدولية التي تقف وراءه، وهي الآن لم تعد في مواجهة خاشقجي أو رأيه، فاللعبة باتت في مستوى آخر، هو تقويض مرتكزات “مشروع الإصلاح السعودي” داخليا ودوليا…وأي جثة ستظهر؟ مشروع بن سلمان أم خاشقجي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *