مواسم

البديل الروسي: حرب بالتقسيط بين إيران وإسرائيل في سوريا

حسين حمية

لعل أفضل نقطة للإطلالة على المواجهة الصاروخية الإيرانية الإسرائيلية ليل أول من أمس، هي زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لموسكو، واستضافة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين له، في الوقت الذي كان يستهدف الجيش الإسرائيلي 50 موقعا إيرانيا موزعة في جنوب سوريا وقرب دمشق.

كان يمكن الإطلالة على هذه المواجهة من خلال قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي، أو من خلال العداوة المزمنة بين النظام الإيراني وإسرائيل، فهذه كاشفة، إنما لجانب من المواجهة، وما يجب أخذه بالحسبان، هو المكان الذي جرت فيه هذه المواجهة، فالردود الإيرانية على واشنطن أو ممارسة طهران لعدائها ضد إسرائيل (أو العكس) ليست هي ذاتها في كل الأمكنة، أضف أن سوريا نفسها هي موضوع نزاع كبير تنغمس فيه قوى دولية كبرى متعددة الأطراف، وهذا النزاع هو الذي يفرض شروطه على الصراعات الأخرى ويجبرها على الالتزام بحساباته.

لم يتربع الروس على سدة إدارة الصراع على سوريا بالقوة العسكرية الخالصة، ولو أنهم أفرطوا باستخدامها ضد الفصائل المسلحة المعارضة للرئس بشار الاسد، إنما على اللعب على الصراعات وتناقضات الآخرين الموجودين على المسرح السوري، لقد استثمر الروس تعارض المصالح بين إيران وتركيا من جهة وإسرائيل والسعودية من جهة أخرى، كذلك أفادوا من التناقضات الإيرانية التركية، وكان اشتغالهم على هذه التعارضات والتناقضات بشكل لا يعرّض التحالف الروسي التركي الإيراني للتفكك في سوريا.

الحسابات الروسية كانت حاضرة بقوة في المواجهة الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة والمقبلة، ويمكن القول أن موسكو تمسك بمعظم خيوطها، فهي تحتاج إلى الانفلاش الإيراني للضغط على واشنطن عبر إسرائيل، لكن شرط أن لا يصل هذا الانفلاش إلى درجة أو نقطة تدفع الاسد عن الاستغناء المساعدة الروسية.

عندما لوّح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بتزويد سوريا بصواريخ “إس 300″، وهي الآن في مستودعات حميميم ولم يتم تسليمها للجيش السوري، كان المغزى منها، أن إيقاف التمدد الإيراني في سوريا هو فوق طاقة إسرائيل، ويجب العودة لموسكو عند أي محاولة لتحجيمه، والتحجيم لن يتم دفعة واحدة وليبس مجانا، والأثمان السياسية تدفعها الدولة العبرية بعدم التخريب على الروس في سوريا، وأيضا تدفعها واشنطن بالكف عن تعطيل الحلول الروسية للحرب السورية.

وإذ موسكو بحاجة للإيرانيين لمساعدة الأسد بالإمساك بالأرض ولإثارة القلق لدى إسرائيل، لكنها ستبقي على العصا الإسرائيلية كي لا يفيض الوجود الإيراني عن الحاجة الروسية.

موسكو، لم تمنع تطور المواجهات إلى حرب شاملة، ولو أن هذه الحرب مستوفية كامل شروطها، إيران لن تنسحب من سوريا إلا بالقوة من سوريا، وإسرائيل لن تقبل أن تتحول المكاسب الإيرانية في سوريا إلى تهديد أمني استراتيجي لها على المديين القصير والطويل، لكن كلا الطرفين يدرك بأن اي مواجهة شاملة بينهما ستكون أكلافها مدمرة عليهما.

زيارة نتنياهو لموسكو ولو أنه يعرف أن حاملة الطائرات الأميركية “هاري ترومان” على بعد ايام قليلة من الوصول للبحر المتوسط، أكدت أن احترام الخطوط الحمراء الروسية في سوريا هي البديل عن الحرب، ولعبة التوازن التي يقودها بوتين بين الانفلاش الإيراني والحرية المحدودة للطيران الإسرائيلي ولو أدت إلى مواجهات متقطعة أو إلى حرب بالتقسيط تغني عن الدخول في حرب دفعة واحدة غير مضمونة النتائج، خصوصا أن هناك من يشجع على هذه الحرب إن في الخليج أو القوى المتشددة في النظام الإيراني، فالمشجعون حظوظهم ستبقى لكن في تداعيات الخروج الأميركي من الاتفاق النووي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى