جريدةمتابعات

التهويل بالحرب الأهلية…من المستهدف؟

المطلوب، هو التهويل على اللبنانيين بالحرب الأهلية. وتتجند لهذه المهمة، السلطة والسياسيون والإعلام، مع أن هذه الحرب لن تقع، لسبب بسيط جدّا، وهو أن من يهوّلون بها والقادرون على خوضها لن يقدموا على التفريط بمكاسبهم الكبيرة والذهاب للانتحار الذاتي.

الثنائي الشيعي، الأحزاب المسيحية (القوات، التيار الوطني)، المستقبل (السني) والاشتراكي (الدرزي)، يمسكون بتفاوت بكل مؤسسات الدولة وقطاعات البلد. هذا التفاوت يثير الحسد لكن لن يتطور إلى عداء وتناحر، وهناك هوامش لتعديله فيما بينهم. أضف أن هذه القوى تدرك أن أخطر ما قد يواجهها هو الذهاب إلى حرب داخلية مسلحة ستطيح لا محالة بكل ما راكموه في العقود الثلاثة الماضية.

مخطىء من يعتقد أن مواقف هذه الأطراف من قضية التحقيق بالمرفأ ستأخذهم إلى فض الشراكة فيما بينهم وإحياء خطوط التماس القديمة. فالمشكلة في هذا التحقيق ليست ببعده الداخلي حتى لو اتهم القاضي البيطار حزب الله بجلب النتيرات أو برّأه. تاريخ لبنان ما بعد وما قبل الطائف، فيه الكثير من الشواهد على غسل هذه الأحزاب لجرائمها وارتكاباتها بتسويات وصفقات فيما بينها تُختتم على مبدأ وكان الله يحب المحسنين..

انفجار المرفأ، لن يختلف عن قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 2005، ولا عن مجزرة  الجيش في الضاحية الجنوبية في 16 كانون الثاني 2008 أو اجتياح حزب الله لبيروت في  7 أيار 2008، أو المشاغبات الدموية للشيخ أحمد الأسير، وقبلها أحداث مخيم البارد واشتباكات طرابلس وغيرها. كلها حوادث قيل فيها ما يُقال بهذه الأيام عن صدامات الطيونة، وكان حاضرا فيها استذكار بوسطة عين الرمانة، والحديث عن أن  “البلد على كف عفريت”، و”لبنان على بعد خطوة من الانفجار”، مثل هذه التهويلات سمعها اللبنانيون مرارا وتكرارا ولم يحدث أي شيء.

مثل هذا التصوّر، كان موجودا لدى حزب “القوات”، وكان على قناعة بأن حزب الله لن يدفع بالأمور إلى الحرب. وهذا ألمح إليه.رئيس المجلس التنفيذي بحزب الله هاشم صفي الدين في خطاب تشييع ضحايا حوادث الطيونة “لو كانوا يعلمون بأننا سنخوض حربا معهم لما تجرأوا على اعتدائهم”.

المأزق الذي تواجهه أحزاب السلطة، ليس ناتجا عن اختلافاتها وخلافاتها حول التحقيق بانفجار المرفأ، فهذه كما سبق القول يمكنها تجاوزها ولفلفتها على جاري عاداتها.  المأزق تشكّل من اتكالها على التمويل الخارجي للحفاظ على ديمومتها من جهة، ومن ربط الدول المانحة هذا التمويل بتحقيق نزيه وشفاف بهذا الانفجار.

القضية كلها هي كيفية الالتفاف على اشتراطات الدول المانحة. فالتهويل بالحرب الأهلية هو بالحقيقة تهويل على هذه الدول، وخصوصا الأوروبية لتليين شروطها في تقديم مساعداتها، ليس من قضية الانفجار فقط، إنما أيضا من المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والإصلاحات ومحاسبة الفاسدين. وكلها شروط تمانع السلطة الحالية على القيام بها، وهي بمثابة تقويض ذاتي لهذه السلطة، وعليه، لن ترمي نفسها بالتهلكة.

هناك تبرّم وتأفف لدى أحزاب السلطة من طلبات الدول المانحة. أفضل ما يعبّر عن ضيق السلطة من هذه الطلبات هو المطلب الغريب للزعيم الدرزي وليد جنبلاط في خضم أحداث الطيونة. مطلبه يلقي تبعة فشل التحقيق على الدول الغربية لأنها لم تزود المحققين اللبنانيين يمعلوماتها عن الانفجار!! وكأنه يقول أن السلطة ليست عاجزة عن كشف ملابسات الانفجار وقد قامت بواجبها، لكن ما يعطّل التحقيق هو الخارج الذي يتمنع عن الإدلاء بشهادته أم المجلس العدلي. لكن ماذا سيفعل جنبلاط لو قال الخارج ما عنده من معلومات؟ هل قادرة “سلطته” على إحضارهم؟ أم سيطلب أيضا من الخارج التكفل بهذه المهمة أو تأجيل هذا الإحضار؟ هذا التفكير الفعلي للسلطة.

يبقى السؤال، هل ترضخ الدول المانحة وتحديدا الغربية لتهويل أطراف السلطة بالحرب الأهلية؟ أم تصر على توفير الحماية الخارجية للتحقيق؟ من يتتبع كيف انحدرت المبادرة الفرنسية منذ زيارة الرئيس ماكرون الأولى بعد انفجار 4 آب مباشرة إلى الاتصال الرئاسي الفرنسي الإيراني الذي فك أسر تشكيل حكومة ميقاتي..قد يتعثر بالجواب.

مناطق نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى