مواسم

الجيش السوري يستعيد الجنوب: نصر صاف أو مدنس

حسين حمية

هل هناك أثمان تقاضتها إسرائيل وأميركا لقاء الاستسلام الكامل لفصائل المعارضة  في منطقي درعا والسويداء؟ لم يخرج من العواصم (موسكو وعمان)  التي سعت لإبرام تفاهم بين إسرائيل ومحور الممانعة  ما يؤكد أو ينفي هذا الكلام، وهي الآن مجرد تكهنات يستولدها إعلام الطرفين ويسوقها، إما لتأكيد النصر المطهر  أو النصر المدنس.

التقدم السريع للجيش السوري في منطقة الجنوب دون مقاومة تُذكر أثار الاستغراب، وألقي بالشكوك على أن ما حدث كان وليد تفاهمات جرت بالكواليس وقضت أن تكون فصائل المعارضة السورية كبش التسوية، لكن تدنيس نصر دمشق كان يقتضي تسريب هذا “التفاهم”، وإلّا السؤال، لماذا هذا التكتم عليه؟

لقد نفّذ الرئيس بشار الأسد حرفيا كل ما توعّد به في مقابلاته التلفزيونية، لجهة قراره باستعادة الجنوب السوري لسيادة الدولة، في حين الطرف الآخر ممثلا بأميركا بلع تهديداته، وعوضا أن يأتي الرد المناسب من البنتاغون ضد قوات النظام التي تخرق علنا اتفاق خفض التصعيد، بل وصل الأمر بواشنطن أنها لم تضمن ل”حلفائها المعارضين” مخرجا ولو مشرفا، إنما تركتهم في الزاوية ووضعتهم أمام اتفاق ذليل بالذهاب وحدهم إلى الروسي والقبول بشروطه القاسية والمهينة.

كان يُدرك الأسد ومن خلفه حلفاؤه الروس والإيرانيون وحزب الله أن ليس في الجنوب معارضة، إنما وكالات “متعددة الجنسيات” على الأرض تلبس لبوس المعارضة السورية، تتبع للإمارات والسعودية وقطر والأردن وإسرائيل، وتبيع خدماتها لهذه الدول التي تتضارب مصالحها على المسرح السوري وفي أمكنة أخرى، فقد كان لافتا عندما وقفت هذه المعارضة على الحياد عندما فتح النظام جبهة الغوطة الشرقية ودوما، ولم تطلق قذيفة واحدة أو تفتح جبهة لتخفيف الضغط العسكري عن رفاقهم في محيط دمشق على الرغم من مناشدة هؤلاء لها.

لا بل أكثر من هذا، بعد أن انتهى الجيش السوري من بسط سيطرته على غلاف دمشق، سارع بعض معارضة الجنوب (القسم الإماراتي) إلى إبداء استعداده لإلقاء السلاح والقبول بالانضواء تحت راية الدولة السورية ممثلة بالأسد لقاء مكاسب فردية وفئوية لا علاقة لها بكل شعارات “الثورة السورية”.

المتابع لمجريات التطورات في سوريا، تتكون لديه قناعة بأن معارضة الجنوب باتت خردة سياسية وعسكرية، وعلى هذا الاساس تصرفت مرجعياتها معها، فالأردن لم يعد يحتمل أضرارها بإقفال الحدود مع سوريا وحرمانه من 350 مليون دولار سنويا، والسعودبة انتقلت في مواجهتها مع إيران إلى مستويات أخرى لا حاجة لها لبيادق تافهة، فاللعبة تقتضي إراحة الأسد داخليا لمساعدته على الاستغناء عن مساعدة إيران وحزب الله، أما اتجاهات السياسة الأميركية فهي الانسحاب بأقصى سرعة من سوريا بما في ذلك إخلاء قواعدها في شرق الفرات والتنف، في حين إسرائيل أدركت بعد الدخول الروسي وزوال الخطر عن نظام الأسد وعودته القوية للإمساك بالمناطق التي خرجت عن سيطرته وانفلاش “المستشارين” الإيرانيين في هذه المناطق، أنها أمام تحديات أمنية مختلفة، تلزمها باعتماد قواعد جديدة لضمان أمنها.

بمجرد تعظيم كل من عمان وتل أبيب دورهما في تقديم المساعدات الإنسانية للفارين من مناطق المواجهات في الجنوب السوري (علما أقفلوا الحدود لمنع تسرب مدني واحد فار من الحرب)، وتركيز الإعلام القطري على دور الإمارات في حض المعارضة على الاستسلام (ليس حبا بالمعارضة إنما كرها بالرياض)، هذا يعني أن ورقة المعارضة السورية أنتهت بطريقة مخزية، ومن المعيب استثمار هذه النهاية أو التخفيف من وطأتها بالحديث عن تواطؤ إسرائيلي مع النظام عبر الروس.

حتى الآن، لم تصل المعارك، إلى المناطق التي تتحسس منها إسرائيل أمنيا، وهي المناطق القريبة من الجولان المحتل أي القنيطرة، وتبقى اللعبة مستمرة، على قاعدة لا مشكلة لإسرائيل إذا كانت القوات التي ستدخلها هي سورية وأن لا تندرج ضمنها قوات إيرانية أو حزب الله، لكن هل يمنحها اتفاق فصل القوات في 1974 التطمين الكافي، أو سيكون كما القرار 1701 كل شيء وارد في لحظة ما، مازل مبكرا الحديث عن النصر المطهر أو المدنس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى