متابعات

الحريري .. على قياس الوطن لا على قياس الشعبوية

كتب رامي الحاج

ما أسهل الشعبوية اليوم، حتى أنها لم تكن يوما على مثل السهولة التي هي عليها الآن، ليس في لبنان، إنما في العالم كله، وهي تكتسح كل شيء أمامها، ليس لشطارة “ القائد ” الشعبوي، وعندما نعتقد مثل هذا، هي السذاجة بعينها، إنما لأمر آخر، يعرفه شعبويون، ويستغلونه بدون أي حس بالمسؤولية أو وخز في الضمير.

سخط الناس وتذمرهم في كل مكان، لا حاجة لأحد أن يسردها أو أن يذكر بها، وهذا السخط  ليس حكرا على طبقة أو مذهب أو دين أو ثقافة، الكل في سخط وغضب وتذمر واشمئزاز، الكل ضاق ذرعا من هذا الواقع، وبغياب الحلول كل شيء يتحول إلى عواطف سلبية، هذه لحظة اصطياد الناس واللعب غرائزهم، بالنقد والتهجم والشتم واللعن والتخوين.

السخط يعمي الأبصار، يولد العتمة، وهذه يعرفها المستثمرون على أوجاع الناس وآلامهم وقهرهم، يكفي أن تنتقد وتشتم وتسب وتلعن، فتكسب الأنصار والمصفقين والمطبلين، لكن ماذا بعد ؟ سوى تعميق الآلام والإيغال في تضييع الناس.

من أسهل الأمور على الرئيس سعد الحريري أن يركب هذه الموجة، ومؤهلات الشعبوية متوافرة عنده، شاب ووسيم ومحدّث وابن ابيه وابن نعمة، ويدرك ما ستضيفه إليه الشعبوية من تعظيم وتأليه، يستطيع أن يمارس هذه الخدعة، ويعطّل عقول الناس ويجذب غرائزهم، بالوقت نفسه، يعرف أن التصرف بمسؤولية تكشفه أمام متصيدي الفرص والباحثين عن إشباع شهوة السلطة وتستنزف الكثير من رصيد شعبيته ومكانته.

ما أهون أن ينقاد الحريري إلى أهواء اللحظة، ليس بحاجة إلى برنامج أو خطة أو مشروع، هو قادر بـ ” تغريدة ” واحدة أن يعطل أمور الناس كلهم وحياتهم، ولا شيء يحاسبه سوى منسوب حس المسؤولية لديه والتاريخ والأجيال التي تدرج وتلك التي ما زالت في الأرحام.

يُدرك الحريري أن المتربصين به كثر، لأن حجمه وقيمة دوره في السياسة اللبنانية أكبر من أن يُدرك كنهها أوباش السياسة الصغار، ممارسة وإعلاماً، لهذا نأى بنفسه عن المهاترات التي لا تغني ولا تسمن من جوع، ولم يلتفت لهم لأنه يؤمن بأن ” المتلفت لا يصل “.

ويعرف الحريري أدقّ التفاصيل التي رافقت وجوده في السعودية، لاسيما ذلك الذي إحترقت ورقته بعد قرار فصل النيابة عن الوزارة، وهو الذي كان يمني النفس بلقب ” دولة الرئيس “، وهو القائل للواء السوري محمد ناصيف على ذمّة خليله السياسي والشخصي وئام وهاب ” لتعطني إيران 5 ملايين دولار وأنا أحكم السنّة في لبنان “،  ويريد إيقاف دوران الأيام عند تلك اللحظة لعل وعسى، ولأنه يخشى أن يكون ذلك الذي كتب عنه غابرييل غارسيا ماركيز ” لا أحد يكاتب الكولونيل ” أو ذاك الضابط في فيلم ” زوجة رجل مهم “، أوعز لكتبته الصغار ومأجوريه من الأقلام أن هلموا للنيل من سعد الحريري ..

الحريري موقن تماماً، أنه في هذه اللحظة، قد نخسر، أو لن نحصل على كل شيء كما نطمح أو كما نريد، وبالإمكان تخريب كل شيء من أجل شيء واحد، لكن إذا كان الخيار بين فقدان كل شيء أو الحصول على بعض الأشياء، يجب التصرف على قدر مسؤولية اللحظة، فالحياة ليست لحظة واحدة، فدوام حال من المحال، واللعبة طويلة، والعالم متقلب ونحن في زمن انتقالي، لن يتوقف عن الهبوط والصعود، ليس حصرا على فئة معينة إنما على الجميع، ويبقى الأهم هو أن لن نفقد الأعصاب.

يعرف الحريري وبدرجة عالية من اليقين، أن ما يدور في منطقتنا، ليست لعبة لبنانية كما يحاول أن يوهم البعض اللبنانين، أو صراع سني شيعي أو عربي فارسي أو غربي شرقي أو راسمالي بروليتاري، نحن في خضم صراع تتطاحن فيه كل هذه المتضادات وأكثر، نحن أمام لعبة دولية شديدة التعقيد، تتداخل فيها مصالح الصغار والكبار، وكلها تتقاطع في مكان وتتضارب في مكان آخر، ليست الوقت الآن للعب بالصولد، هذا خروج من اللعبة قبل أوانها، والجلوس على طاولة المتفرجين، فاللعبة لا تحسم في لبنان ولا وفقا لمواعيد لبنانية، وما زالت طويلة.

الرئيس الحريري اليوم على قياس الوطن ولن يكون أبداً على قياسهم ..

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *