متابعات

الحريري يرفض أي ” تسوية ” جديدة تعيده إلى السراي الحكومي !!
خالد صالح

لم تكن محطة 14 شباط الماضي بالعابرة، فقد أسست كلمة الرئيس سعد الحريري لمرحلة جديدة يصح تسميتها بـ ” مرحلة ما بعد التسوية ” بعد أن عبر عن التسوية الرئاسية بصريح القول : ” لقد باتت في ذمة التاريخ “..

من هنا يبدو مسار تشكيل الحكومة شديد التعقيد، كل عقدة تتطلب جهودًا خارقة لحلحلتها قبل الانتقال إلى الأخرى، فالحريري ما بعد حكومة حسان دياب ليس كما قبلها، وما بعد قرار المحكمة الدولية ليس كما قبله، وما بعد انفجار بيروت ليس كما قبله أيضًا، وليس بوارد العودة إلى السراي تحت ظل ” تسوية ” أخرى، تقيّده وتفرض عليه إملاءات تحدّ من حركته لتنفيذ برامجه ورؤيته الإنقاذية، عدا عن شارعه وجمهوره الذي تنفّس الصعداء بعد إطاحته بالتسوية التي يرى أنها ” تسوية مشؤومة “..

يدرك الحريري أن الأزمة خطيرة وقد أصابت كل شيء وباتت تهدد البلاد طولًا وعرضًا، وصولًا حتى الوضع الأمني، وأن لبنان يقف في عين العاصفة الإقليمية، ويدرك أن الجميع لا يملكون ” ترف الوقت ” والانتظار لمزيد من التأزم، ومع ذلك لا يتعاطى مع الملف الحكومي من باب ” عنزة ولو طارت ” وأن هدفه الأساسي العودة إلى السراي، بل يتعامل مع الواقع من زاوية النظر إلى مستوى الأزمة، وما هي السبل الآيلة لتحقيق الغاية المرجوّة ؟، من دون تقديم تضحيات وتنازلات من مصالحه وعلى حسابه ..

يقف الحريري أسوةً ببقية الفرقاء على مفترق طرق والخيارات محدودة جدًا في ظل أزمة استثنائية، لأن لبنان يحتاج الى حكومة ” استثنائية ” في سرعة تكوينها وولادتها، في تشكيلتها وأعضائها، في صلاحياتها ومهمتها، حكومة قادرة على اتخاذ قرارات ” صعبة وسريعة ” وتنفيذها، حكومة قادرة على تلبية شروط وموجبات المجتمع الدولي التي باتت مختصرة تحت عنوان عريض هو : الإصلاحات، ومع ذلك، فإن مقاربتة لعملية الحكومة الجديدة تكاد تنحصر عند حدود ما وضعه بعيد تقديم استقالته في تشرين الأول 2019 والذي تمسك به وصولا إلى تسمية دياب ..

يحاذر الحريري السقوط في مستنقع المفاوضات الحكومية ” المسبقة “، لأنه يرى في ذلك الدخول في ” معمعة ” تسوية جديدة، لذلك لم يظهر حماسة لدخول ” بازار ” الأخذ والرد حول موقفه من التكليف واعتصم بالصمت مكتفيا بالحركة التي يقودها الرئيس بري، والتي لم تصل الى نتيجة حتى الآن، لكنه قد لا يبقى صامتًا لوقت طويل إزاء الأسلوب الذي يمارسه العهد في المماطلة بتحديد موعد الاستشارات، في تكرار للأمر نفسه بشكل تسويفي يضرب هيبة ” الرئيس المكلف ” سواء أكان هو أم غيره ؟، وربما يُفصح عن موقفه بالتنسيق مع الرؤساء (السنيورة وميقاتي وسلام)، لوضع حد لهذه الهرطقة الدستورية الفاضحة والتي تمس جوهر الميثاقية والعيش المشترك وصميم الطائف ..

ورغم التناقضات القائمة حيال عودته، الرافض (باسيل وجعجع)، الملتبس(جنبلاط وفرنجية)، يظل الحريري المرشح الوحيد حتى الآن، وقد أبلغ بري أنه لن يسير إلا ببرنامجه الحكومي ولن يقبل بشروط مسبقة من أحد، كما لن يسدل أي غطاء على أحد، لاسيما بعدما وصلته الاشارات من فرنسا أنها تسير بتسميته بمسعىً جدي من ماكرون شخصيًا لتأمين توافق خارجي عليه، لكن يظل الموقف السعودي بالنسبة له في المقدمة، لأنه في المجمل يبني استراتيجيته الإنقاذية على وقوف المملكة بجانبه لانتشال البلاد من مستنقع أزماتها ..

يتفهّم الحريري الواقع اللبناني ويعمل على تدوير الزوايا مستمدّا ديناميكيته من تخبط العهد جراء تفرّده في استيلاد حكومة لم تجلب للبلاد إلا المزيد من الأزمات، لهذا ينصبّ تركيزه على إطلاق الاستشارات والتي ينقل بعض المراقبين أنها قد تكون نهاية الأسبوع الجاري، لاستعادة الدور الدستوري للرئيس المكلف ” حصرًا ” في الاستشارات حول تشكيلها، وقطع الطريق على الوزير باسيل لتشكيلها قبل الاستشارات، وهو يعلم يقينًا أن المهمة ليست بالسهلة لأسباب عديدة وفي أولها أن الأكثرية ليست له، وأن الحلفاء القدامى ليسوا مع خيار عودته، لعدم تعويم العهد المتهالك أصلا، ويعلم أيضا أن هناك خلاف سياسي بين من يريد حكومة ” حيادية مستقلة “، ومن يريد حكومة ” وحدة وطنية “، وهناك فرق شاسع بين من يعطي أولوية لبرنامج الحكومة لتكون الرئاسة والتشكيلة مفصلتين على قياسه، ومن يفضل سلوك المسار التقليدي بالتوافق على رئيس الحكومة أولا ومن ثم تشكيل الحكومة ووضع برنامجها ..

ويبدو أن المسار لدى الحريري ينقسم باتجاهين :

أ – أن يعود رئيسا للحكومة، وهذا الخيار طريقه مازالت مليئة بالحفر والألغام، ولن يكون بري لوحده قادرًا على فتحها، وحتى لو وافق الحريري على الدخول في مفاوضات مسبقة، فإن موقعه التفاوضي ليس قويا، في ظل غموض الموقف الدولي من عودته ..

ب – أن يُسمي الحريري رئيسا للحكومة يمثله ويحظى بدعمه، والأسماء المطروحة هي من الحلقة المقربة من الحريري (ريا الحسن وسمير الجسر) وليست من خارج هذه الحلقة، وخصوصًا من مجموعة رؤساء الحكومات السابقين.

باختصار، تعقيدات كثيرة تحيط بملف الحكومة والخفي من المواقف وما يطبخ وينسج في الكواليس والغرف المغلقة أكثر بكثير من المعلن والمعلوم وما يتسرب ويطفو على سطح الأزمة.. ولكن رغم التعقيد والغموض، يمكن واستنادا الى معلومات وتقديرات رسم خارطة سياسية لمواقف الأطراف الرئيسية يبقى الحريري المرشح ” الفافوري ” لقيادة المرحلة المقبلة شريطة التلاقي عنده بين التقاطعات المحلية والإقليمة والدولية، فهو يريد أن ” يأكل العنب ” أما ” الناطور ” فالوقت الراهن ليس وقت المعركة معه .

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى