مقالات

الحقيقة التي تخفيها السلطة وأحزابها..موت الدولة “اللطيفة”

هناك لعبة بين السلطة وبعض الإعلام بإلهاء الناس بالأزمة الحكومية. اللعبة المذكورة، صارت مضجرة ومملة لكنها تؤدي مهمتها في استنزاف وقت اللبنانيين وهدر ما تبقى من الفرص أمامهم. وهذا هو المطلوب من لعبة الإلهاء، وقد نجحت السلطة في هذه الخديعة، ولا يستبعد أن تتخلى عنها قريبا لانتهاء صلاحيتها باعتذار الرئيس المكلف سعد الحريري قريبا، وتكليف آخر مكانه وإعادة انتاج المشكلة الحكومية من جديد حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
لم يكن الإلهاء لعبة عبثية للسلطة وأحزابها، كان الهدف واضحا منه، وهو إخفاء حجم المشكلة التي يعانيها البلد وتداعياتها الخطيرة على معاش اللبنانيين وحياتهم. الطبقة السياسية برمتها غير قادرة على مصارحة الناس بما ينتظرهم في القادم من الأيام. هي تعرف مصلحتها وما ستجلبه عليها هذه المصارحة من أخطار وشرور. لذا لجأت إلى التلطي خلف منازعات باسيل والحريري السخيفة لكسب الوقت، وأيضا لتزييفها بأنها خلاف طائفي، وليست أزمة ناجمة عن طبقة سياسية تقتقد أدنى مقومات الأهلية والكفاءة لإدارة دولة.
ما لا تقوله السلطة وأحزابها

تعلم أحزاب السلطة أن الأزمة أكبر منها بكثير، وهي أعجز عن إيجاد حل لها حتى لو اتفقت فيما بينها على كل كبيرة وصغيرة في البلد. كما تعلم هذه الأحزاب أن مصارحتها الشعب بحقيقة الأزمة يلزمها بالتنحي عن إدارة البلد، لا بل تطليق السياسة طلاقا بائنا لمصلحة قوى جديدة أكثر أهلية وكفاءة منها.

ما لا تقوله السلطة وأحزابها، المفترض أن الناس بات على علم به. وهو أن دولتهم القديمة تم التضحية بها مجانا أو لأسباب يترفع عنها من يزعمون أنهم رجال دولة، ولا يرتكبها سوى رجال عصابات ومافيات عديمي المسؤولية أمام ناسهم وأهلهم.
مهما قيل عن الدولة اللبنانية القديمة، لكن لا ينكر أحد على هذه الدولة رحمتها وعطفها على شعبها. دولة كانت تحمل عن مواطنيها هموما كثيرة، كانت تخفف عنهم أعباء الطبابة والاستشفاء والدواء والتعليم والسكن والمأكل، وتوفر لهم مداخيل لعيش مقبول. كانت دولة “لطيفة” في تطلباتها منهم، إن بالضرائب أو بالرسوم أو الالتزام بالأنظمة، وكانت تلبي حاجاتهم في توفير الوقود والأدوات الطبية والأدوية والمواد الغذائية الأساسية بأسعار يمكن احتمالها.
تلك هي الدولة التي غدرت بها هذه السلطة، هي تعرف هول جريمتها وفظاعتها، لذلك تتعمّد التحايل على الحقيقة وإخفاءها. ليس الخلاف على تشكيل الحكومة سوى كذبة مهما تم نفخه طائفيا ومذهبيا، هو تقزيم للحقيقة المريرة التي تنتظر اللبنانيين.
كذلك ما لا تقوله السلطة وأحزابها، بعض الناس بات يعرفه، حتى لو اتفقت الطبقة السياسية على تشكيل الحكومة، كثير من الأمور التي يتذمر منها المواطنون ستبقى على حالها لا بل أسوأ. لن يكون وقود السيارات مؤمنا للجميع على مدى سنوات. والطبابة والاستشفاء لن يكونا متيسرين كما في السابق. وستختفي من الأسواق سلعا ذات جودة عالية أو فاخرة كانت بمتناول الكثير من الناس، وسيصبح شراؤها حكرا على فئات شديدة الثراء. وتعديل طرق العيش هبوطا وتقهقرا سيطاول القسم الأكبر من اللبنانيين، استهلاكا وإنفاقا وترفيها.
سردية زائفة للأزمة

السلطة وأحزابها يملكون سردية كاملة لما وصل إليه لبنان من انحدار وخراب، لا تغيبهم في هذا الأمر معلومة أو تفصيل، كل شيء من صنع أياديهم، لكنها سردية تدينهم وتحملهم كامل المسؤولية وتزج بهم في السجون أو تجبرهم على الذهاب للعيش في المنافي. لذلك يحاولون اختلاق سردية أخرى على غرار ما تفعله النظم الفاسدة عندما تصطدم بالحقائق.

عندما احتدمت الأزمة الاقتصادية في أوغندا نتيجة سياسات الرئيس الفاسد عيدي أمين، وجد مخرجا بأن اتهم الجالية الهندية في بلده بأنها تسرق خيرات أوغندا والحل عنده كان بطردهم والاستيلاء على أملاكهم. وهكذا حدث في العراق عندما تم اتهام العمال المصريين في هذا البلد بالتسبب بالبطالة والفقر لرفع المسؤولية عن صدام حسين وحروبه. وستالين حمّل الفلاحين الأوكرانيين تبعات سياساته وبرامجه الصناعية القاسية وكانت النتيجة تدمير مجتمعات بأكملها.
كذلك هنا في لبنان يبحثون عن سردية زائفة للأزمة ترفع عن كاهل هذه السلطة جرائمها بحق شعبها لترميها زورا على الآخرين. اتهموا بداية المهربين والمحتكرين (ومعظم هؤلاء يحظى بتغطية من السلطة نفسها)، برفع الاسعار واختفاء بعض السلع، مع أن تدابيرهم هي التي تشجع الاحتكار والتهريب. وإذ لم ينفع هذا الاتهام، ذهبوا لإلقاء المسؤولية على السفيرة الفرنسية آن غريو والأميركية دوروثي شيا.
طبعا ما زال في جعبة هذه السلطة الكثير من الحيل والألعاب لإطالة الأزمة وإخفاء الحقيقة عن اللبنانيين. وآخر إبداعات هذه السلطة، وكان بمنتهى الوقاحة، هو تهديد الرئيس حسان دياب للغرب بأن يدفعوا أموالا لحكومته تحت طائلة إغراق أوروبا بالمهاجرين،غير أن ما لم يقله دياب، هو ماذا سيفعل بهذه الأموال؟ هل لديه حل أم يريد إعادة تمويل الأزمة واستدامتها قبل أن ينفد مال المودعين؟ الغرب قال كلمته لا مال، لكن ماذا عن موقف السلطة؟ يمكن التنبؤ به بسهولة.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *