أمكنة

الروسي المجهول على رموزنا الوطنية… إبداع ومأساة

زهير دبس

إذا كانت طوابع لبنان البريدية تحكي من خلال الصور والرموز تاريخ لبنان وأبرز المحطات والنواحي التي مرّ بها، فإنَّ حكاية أُخرى تختبئ خلف تلك الطوابع بقيت مهمَّشة ومنسيَّة ولم يُكشف النقاب عنها إلا لماماً. الحكاية هي حكاية ذلك الفنان الذي رسم وأبدع وصمّم تلك الطوابع لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن. وسنصاب بالدهشة عندما نعلم أن حوالى نصف طوابع لبنان البريدية البالغ عددها حوالى ١٨٠٠ طابع صمّمها فنان روسي شاءت الأقدار أن يحط رحاله في لبنان هربًا من بطش الثورة البلشفية التي انتصرت في روسيا حيث كان هو من أنصار القيصر.
وصل المهاجر الروسي بافل بروكوفيفيتش كوروليف والمعروف بـ «بول كوروليف» إلى بيروت في السادس من كانون الثاني من العام ١٩٢٩ حيث عاش وتوفي في لبنان في العام ١٩٩٢ ودفن في بلدة برمانا.

وسنصاب بالدهشة مرة أخرى عندما نعلم أن ريشة كوروليف الذهبية رسمت أهم معالم لبنان التي تفتّحت أعيننا على صورها. لقد خلّد كوروليف الروسي لبنان من خلال رسومه وتصاميمه التي توزعت على الأوراق النقدية اللبنانية والسندات الحكومية والطوابع البريدية والمالية والأوسمة وتذاكر اليانصيب الوطني. ولم نكن ننتبه ونهتم عندما كنا نقلِّب الطوابع البريدية والأوراق النقدية إلى تلك الأحرف الصغيرة التي كانت تذيِّل تلك الطوابع والأوراق لنكتشف في وقت لاحق أن تلك الحروف الصغيرة لم تكن إلا عنواناً لحكاية كبيرة تستحق طابعاً أو أكثر ليحكي قصتها ويخلد صاحبها، وهي الأحرف التي تختصر إسم المصمم الروسي بول كوروليف.


لم يدرِ هاوي الطوابع ورجل الأعمال خليل برجاوي أن افتتاحه معرضاً للطوابع البريدية في منطقة «تول» في النبطية سيقوده إلى موسكو عارضاً لمجموعة محددة من الطوابع البريدية الخاصة بلبنان هي مجموعة الفنان بول كوروليف. الحكاية كما يرويها برجاوي بدأت عندما بدأت الباحثة الروسية التي تعيش في لبنان تاتيانا بحر بالتقصي عن أعمال الفنان بول كوروليف في لبنان فأرشدوها إلى معرضي. وفي هذا الإطار يقول برجاوي «مجموعة الطوابع البريدية اللبنانية لدي كاملة ومن ضمنها الطوابع التي صمَّمها كوروليف لكنني لم أكن بداية على دراية كاملة بقصته والتي كشفت عن أنه صمّم وحده حوالى ٦٠٠ طابع من طوابع لبنان البريدية».

يتابع برجاوي: «حاولت كثيرا ومن خلال البحث الدؤوب والاتصالات في الحصول على صورة لكوروليف لكني لم أفلح في ذلك إلى أن اهتديت إلى لقطة فيديو يظهر فيها كوروليف وهو كبير في السن، وفي وقت لاحق عندما تعرّفت على تلميذه سمير غنطوس حصلت على صورة كوروليف وهو شاباً برفقة سمير وهي صورة نادرة لكوروليف». الجدير ذكره أن اسم كوروليف غاب كلياً عن الصحافة والإعلام في لبنان باستثناء مقالة يتيمة للصحافي محمود الزيات كتبها عنه في العام ١٩٩٩ ونشرها في جريدة الديار اللبنانية.


عن فكرة تنظيم المعرض في موسكو يقول برجاوي إن جهوداً عدة تضافرت وأثمرت عن تنظيم المعرض وهي لكل من تاتيانا بحر والصحافي والباحث عماد الدين رائف وأنا حيث عرضت تاتيانا على جمعية بيت المغترب الروسي الذي يهتم بإبداعات الروس خارج روسيا فكرة إقامة معرض في موسكو يتم فيه عرض أعمال الفنان كوروليف. فوافقوا على ذلك وابتدأنا العمل.
يتابع برجاوي: «بدأنا البحث عن كل أعمال كوروليف وجمعناها وتثبَّتنا منها وقد استغرق العمل هذا حوالى السنة ونصف. وعندما أنجزنا جميع التحضيرات الخاصة بالمعرض بادرنا إلى الإتصال بإدارة الجمعية لتحديد الموعد المناسب للعرض، فتمّ تحديد تاريخ ٢٢ نيسان ٢٠١٨ للمعرض الذي استمر لمدة أربعة أيام ولاقى نجاحاً كبيراً حيث تمّت تغطيته من ستة تلفزيونات وكان برعاية السفارة اللبنانية في روسيا وسفارة روسيا في لبنان وحضره رئيس الأكاديمية الروسية الذي أشاد بالعمل»
عن أوائل الأعمال التي قام بها كوروليف في لبنان قال برجاوي «إن الدولة اللبنانية حينها كلفته برسم طوبوغرافيا لمدينة بيروت وشوارعها فقام برسمها وأبدع في ذلك.
إضافة إلى كوروليف يقول برجاوي «هناك فنان روسي آخر عاش في لبنان وصمّم طوابع بريدية لبنانية وغيرها من الأعمال الفنية بين الأعوام ١٩٥٣ – ١٩٦١هو فلاديمير بليس الذي رسم الأرزة اللبنانية الرسمية بأشكال عدة».
أيضاً من المصممين الروس الذين جاؤوا إلى لبنان هناك ميخائيل بورادا وزوجته سابينا وهما مهندسان روسيان كانا يعملان في إحدى شركات الهندسة وكانا من هواة الرسم ومن أشد المعارضين للنظام الشيوعي في موسكو. وتشاء الصدفة يتابع برجاوي، أن تكلف الدولة اللبنانية بورادا بتصميم طابع عن لينين بمناسبة مئويته. وعند صدور الطابع كتبت صحيفة «لوريان لو جور» حينذاك أن ألد أعداء لينين اضطر أن يرسمه على طابع بريدي. وهكذا تشاء الصدفة بأن تتحوّل صورة لينين من كابوس يطارد بورادا إلى رسم مُخلّد بأنامل بورادا نفسه. يتابع برجاوي « بورادا وزوجته سابينا لا زالا حيين يعيشان في بلجيكا وبالتزامن مع إقامة معرضي في موسكو تحدَّث بورادا من خلال فيلم مصوّر تمّ عرضه في المعرض عن تجربته في بيروت وتصميمه لمجموعة من الطوابع البريدية اللبنانية. إضافة لذلك بادر بورادا لتصميم الملصق الخاص بالمعرض وأرسله إلى موسكو حيث جرت طباعته ليكون إعلاناً للمعرض.


يتابع برجاوي «أيضاً بالتزامن مع إقامة المعرض أصدر البريد الروسي بطاقة بريدية خاصة بالمعرض». وأشار برجاوي إلى أنه قام أيضاً بتصميم وإصدار بطاقة بريدية خاصة بالفنان الروسي بول كوروليف أهداها لإدارة المعارض في موسكو وهي تلخص حياة كوروليف والفترة التي عاشها في لبنان».

مأساة ونهاية
لم تكن نهاية كوروليف المبدع تليق بعطاءاته وإنجازاته التي حقّقها طوال عقود عدة من الزمن، فبسبب الحرب التي أكلت الأخضر واليابس انزوى كوروليف في منزله في وادي أبو جميل يعاني الفقر والعوز. لم يتزوَّج وعاش وحيداً مع حيواناته التي راح يتخلص منها واحداً تلو الآخر بسبب عدم قدرته على الاهتمام بها. ويشاء القدر أن تكون نهايته على يد أحد كلابه الذي عاجله بعضّة أثناء تقديمه لأحد الجيران. نقل كوروليف إلى المستشفى حيث مكث فيها شهراً قبل أن يرحل جرّاء تلك العضة عن عمر ناهز ٩٦ عاماً أمضى منها ٦٣ عاماً في لبنان.
لم تعد طوابع لبنان وأعماله الرسمية الفنية بعد كوروليف كما كانت قبله. فالفوارق في التصاميم كبيرة وكبيرة جداً بين الأمس واليوم. فالحقبة التي تولّى فيها كوروليف وهؤلاء المبدعون الروس تصميم الطوابع البريدية اللبنانية امتازت بقدرة فنية عالية ومواهب فذة في التصميم ويصح فيهم القول إن مجد لبنان رُسم بأنامل روسية. في حين نجد اليوم هبوطاً حاداً في تصميم ورسم الطوابع والذي تحوّل تجارياً يخلو من البعد الثقافي والمعرفي ويعتمد بنسبة كبيرة على تكنولوجيا الفوتوشوب وأسلوب النسخ واللصق.
يبقى معرض خليل برجاوي عن الفنان الروسي كوروليف في موسكو علامة فارقة في التبادل الثقافي بين البلدان ونموذجاً يحتذى في الكشف عن الإرث الثقافي المدفون والذي لا يكترث إليه أحد، ويحتاج إلى مبادرات جريئة تعشق الفن وتكشف عن المستور منه لئلا يضيع في غياهب النسيان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى