أخبار

السؤال الصعب: ما نوع اللقاح الذي أخذته؟

كتب تيلر كوين في “بلومبرغ”: في المسائل ذات الصلة بالأمور الإنسانية، ليس هناك ما هو أغرب من الميل الواضح إلى سحب الفروق التمييزية الدقيقة في أسلوب الحياة والوضعية الاجتماعية عندما لا تكون هناك حاجة حقيقية لأي منها. وإننا نفعل ذلك مع القبعات، وفرق موسيقى الروك المستقلة، وبرامج ما قبل الدراسة، وصار الآن الأمر يتعلق باللقاحات المضادة للفيروس كذلك.

لقد لاحظت بنفسي تبايناً مطرداً في التصورات المتخذة جماهيرياً لما هو بالأساس جهاز علمي وطبي اعتيادي. ومع محاولات استئناف الحياة الاجتماعية الشخصية، دُهشت كثيراً لعدد المرات التي هالني فيها ذلك السؤال العجيب: «ما نوع اللقاح الذي حصلت عليه إذن؟»،

اشتملت دراستي الخاصة للموقف الثقافي من اللقاحات في الولايات المتحدة على اللقاحات الأربعة الرئيسية المعتمدة في البلاد، وهي من شركات: فايزر، وموديرنا، وأسترازينيكا، وجونسون آند جونسون.

يعد لقاح فايزر، الذي تعمل على توزيعه واحدة من كبرى شركات الأدوية في الولايات المتحدة، هو اللقاح الرئيسي في البلاد. ونظراً لأنه كان يحتوي في أول الأمر على متطلبات صارمة بتسلسل التبريد اللازم، فقد كان يجري توزيعه على المؤسسات الكبيرة القائمة من شاكلة المستشفيات الكبرى، ومراكز الصحة العامة التي تملك أجهزة التبريد الكبيرة. وهذا اللقاح من اللقاحات الوفيرة، وذات الفاعلية العالية، وغير المثير للجدل إلى درجة كبيرة في المجتمع الأميركي.

أما لقاح موديرنا – الذي يوحي اسمه نفسه بما هو جديد، يمكن اعتباره اللقاح الذي جاء نتاجاً للملكية الفكرية الخالصة؛ إذ لم يكن لدى تلك الشركة أي منتج أو مصدر آخر رئيسي للدخل حتى تاريخ إنتاجها لذلك اللقاح، ومن ثم، من الصعب الربط بين شركة موديرنا وبين شركة «بيغ فارما»، مما يمنح الأولى قدراً من المشاعر المناوئة للنزعة المؤسساتية. وربما ينبغي الانتباه إلى أن الأحرف الثلاثة الأخيرة من كلمة موديرنا وهي «رنا»، تشير إلى تقانة الحمض النووي الريبوزي المرسال التي يستند إليها اللقاح في عمله، أي أنه اللقاح الموجه للحفنة المفكرة المثقفة ذات الدراية والاطلاع.

كان لقاح موديرنا، لفترة معتبرة من الوقت على أي حال، هو اللقاح الأميركي الأول، الذي كان متاحاً بصورة أساسية في الأسواق الأميركية في نفس الوقت الذي كان لقاح شركة فايزر يُوزع بحرية كاملة في المملكة المتحدة وفي إسرائيل. وباعتباري متلقياً لجرعتين متتاليتين من لقاح موديرنا، فإنني أشعر بقدر من التمييز لذلك السبب تحديداً. كان لزاماً عليك أن تكون مواطناً أميركياً للحصول على نفس اللقاح. ولقد وافق الاتحاد الأوروبي على اعتماد اللقاح، غير أنه أخفق في تأمين شرائه في الوقت المناسب. ولذلك، فإن توافر لقاح موديرنا يعكس الثروة الكبيرة والفاعلية العالية لدى الولايات المتحدة.

ثم لدينا أيضاً لقاح أسترازينيكا ولقاح جونسون آند جونسون.

بالنسبة للقاح أسترازينيكا، سواء للأفضل أو للأسوأ – وهو الأسوأ في غالب الأمر، صار اللقاح المحرم، أو على أقل تقدير اللقاح الغريب. فلم يتسنَّ لهذا اللقاح الحصول على تصريح الاستخدام والتوزيع في حالات الطوارئ من إدارة الأغذية والأدوية الأميركية، وربما لن يحدث ذلك على الإطلاق، ومرجع ذلك جزئياً إلى ارتباط اللقاح ببعض حالات الإصابة بجلطات الدم لدى النساء. ورغم ذلك، فهو يعد من اللقاحات الآمنة والفعالة تماماً لدى أغلب الناس.
وإذا ما حصلت على لقاح أسترازينيكا، فيمكنك وقتها الزعم بأنك جريء وعالمي النزعة، لأنك لا بد كنت، وربما لا تزال، تعيش خارج البلاد. تماماً كما هو الحال لشخصية من شخصيات الروائي هنري جيمس التي تزعم معرفة فائقة لا يباريها فيها أحد بمدينة البندقية، فأنت كذلك تعرف أشياء قد لا يعرف بها الكثير من أبناء الشعب الأميركي.

وهذا يتركنا في خاتمة المطاف مع لقاح جونسون آند جونسون، الذي يتبدل مكانه في المشهد الثقافي للقاحات على الدوام. ففي بادئ الأمر، يعكس الحصول على لقاح جونسون آند جونسون أنك شخصية جادة، ولكنك في نفس الوقت غير مبالٍ كثيراً بشأن الوباء الراهن؛ فهو جرعة واحدة فقط وينقضي الأمر. وهو أمر كان يمكن القيام به في ساعة من وقت الظهيرة، تماماً مثل الذهاب إلى أحد المتاجر لابتياع غرض إضافي يلزمك في المنزل. إذ يعد الحصول على لقاح جونسون آند جونسون لدى الأشخاص العملانيين المعنيين بما هو ضروري في حياتهم فحسب.

توحي العلامة التجارية جونسون آند جونسون نفسها – التي ذاع صيتها بمنتجات العناية بالأطفال – إلى شيء طبيعي وليس مثيراً للذعر في حد ذاته، وفي خاتمة المطاف، تحوّلت علامة جونسون آند جونسون التجارية إلى انعكاس ذي مسؤولية اجتماعية لصورة من صور الممانعة والإنكار في مواجهة الفيروس. والمعنى المراد هو: أن الشركة لم تكن تصنع قدراً كبيراً وعظيماً من الأشياء، ولكنها كانت في نفس الوقت تعمل على ضمان ألا تتعرض حياتك وحياة من تحب إلى الخطر.
ولقد تغير كل ذلك برمته، عندما اتخذت إدارة الأغذية والأدوية الأميركية قراراً بتعليق استخدام لقاح جونسون آند جونسون، إثر ظهور حالات تجلط الدم لدى عدد قليل للغاية ممن حصلوا على اللقاح. ومن المحتمل ألا تتعافى سمعة اللقاح من تلك الوصمة أبداً، حتى وإن استؤنف اعتماده وتوزيعه قريباً كما يبدو مرجحاً في الآونة الراهنة.

وعليه، ربما ينتقل لقاح جونسون آند جونسون إلى خانة اللقاحات الخارجة عن القانون: ولا أعني الحظر التام للاستخدام والتوزيع داخل الولايات المتحدة، كما حدث مع لقاح أسترازينيكا، وإنما مثل هذا اللقاح المرتبط بالصلابة والصمود والجرأة على المواجهة. وربما، إن أقدم العديد من الرجال والقليل من النساء على تناول لقاح جونسون آند جونسون، أن يتعنصر استخدام اللقاح ويوصم بـ«اللقاح الذكوري»!

بطبيعة الحال، ليس أمام المواطنين الأميركيين الكثير من الخيارات الدائمة بشأن نوع اللقاح الذي يحصلون عليه، إلا إذا كانوا على استعداد للتوقف والانتظار أو الدخول في مغامرة سفر للخارج غير محسوبة المخاطر. لذا، لا يبدو كما لو أن الجميع يقرر الفريق الذي يرغب في الانضمام إليه. والأهم من ذلك أيضاً، أنه من غير الواضح حتى الآن ما إذا كانت تلك الفروق المذكورة ذات فائدة حقيقية لنا جميعاً من عدمه.

كلما ازدادت حدة التشابكات الثقافية ذات الصلة باللقاح، كان من الأسهل العثور على أسباب تسوغ عدم الحصول عليه في المقام الأول. وكما هو الحال راهناً، هناك أكثر من 40 في المائة من الجمهوريين يقولون إنهم لا رغبة لديهم في التطعيم، مع تردد وتأخر واضح لدى جموع المواطنين السود في البلاد. وإلى المدى الذي تتحول فيه اللقاحات إلى رمزيات للمنتدى الثقافي الذي تنتمي إليه، ربما يستمر التردد الشعبي بشأن اللقاحات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى