مواسم

العاقورة تطالب بالقانون..واليمونة بالعدالة

حسين حمية

عادت الخلافات الحدودية بين بلدتي العاقورة واليمونة للظهور مجددا، بعد إشكال وقع أمس الثلاثاء بين عناصر شرطة بلدية العاقورة وشبان مسلحين من اليمونة، الجهة الأولى تحدثت عن اعتداء على دورية تابعة لها ضمن النطاق العقاري لبلديتهم، بينما الجهة الثانية اتهمت العاقوريين بالتلاعب بعلامات الحدود بين البلدتين.
أهالي البلدتين، كل من جانبه، يملك سردية مقنعة في تثبيت حقوقه بالأراضي المتنازع عليها، العاقوريون يتمسكون بالقانون وأحكام القضاء، بينما أهالي اليمونة يطعنون بها لعلّة الغبن والإجحاف ومجافاتها منطق العدالة.
لقد مضى على هذا النزاع ما يقارب القرن، وتوارثته 3 أجيال، وتنقّل خلاله من أروقة المحاكم إلى المتاريس في الجرد، وانفجر أحيانا على شكل صدامات مسلحة، ذهب بسببه قتلى وجرحى، وإذ استطاعت الدولة بين حقبة وأخرى أن تدفنه بحلول ظرفية، إلا أنه يبقى يتحيّن أي مناسبة للنهوض مجددا، ليس لمداواة الماضي بعقاقير الحاضر، إنما العكس، اي إنهاك الحاضر بمتاعب التاريخ وأوجاعه.
المسافة بين العاقورة واليمونة هي صفر عقاريا، لكنها شاسعة بغياب الدولة وعجزها، وهي مسافة فلكية بتغليب الانتماء الجهوي والطائفي على الانتماء الوطني، وقد تتحول إلى جبهة وليست حدودا إذا تم ترسيمها بالسياسة والحزبية.
كل من تابع المؤتمرات الصحافية اليوم عقب الحادثة الجردية، يلاحظ أن خلافا عقاريا يعالج بمفردات سياسية، وهذا يرتد ضررا كبيرا على طرفي القضية أي أهالي البلدتين (العاقورة واليمونة)، فالحفاظ على الطابع العقاري للخلاف يوفر مخارج للحل، ويردم هذه الفجوة بين القانون والعدالة، بينما تسييسه سيؤدي إلى تضخيمه وحشوه بمشاحنات أخرى، خصوصا أننا في بلد ينقاد إلى طبقة سياسية، تعتاش سياستها على خلافات ناسها وزرع الأحقاد بينهم لانتاج عصبيات عمياء تودعها في أرصدتها الحزبية.
أمر طبيعي أن تقع خلافات ونزاعات بين قرى متجاورة فيما بينها، وهذا يحدث في كل أنحاء العالم، ولا تتحول مثل هذه الخلافات إلى أزمة وطنية، لا العاقورة ولا اليمونة يفيدهما أن يستدرجا مشاكل اللبنانيين إلى عقر دارهما، بينما أهالي البلدتين هم بالحقيقة ضحية هذه الدولة العاجزة عن استيعاب مشاكل مواطنيها وفرض قوانينها وعدالتها، وهم ايضا ضحايا النخبة الحاكمة بقديمها وحديثها التي تعمل على تغليب هوياتهم الطائفية والمذهبية والجهوية على هوياتهم الوطنية والقومية.
الخلاف الحدودي بين العاقورة واليمونة لقد طال واستطال في الزمن، وآن للدولة أن تخجل من تعفنه في مؤسساتها، وهو بغنى عن تدخل السياسيين، ولا يحتاج إلا لرجل دولة حقيقي، يُقنع أهالي البلدتين، وإخراجهم من معادلة أي حل لمصلحة العاقورة هو صفر لليمونة، أو العكس، فهناك حلول غير صفرية، والمسألة عالقة بابتكار أفكار يكسب منها الطرفان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى