أخبار

العلامة الراحل السيد محمد حسن الأمين مكرّماً في المجلس الثقافي للبنان الجنوبي

كرّم المجلس الثقافي للبنان الجنوبي في احتفال أقيم في قاعة المجلس العلامة الراحل السيد محمد حسن الأمين، وذلك من خلال إزاحة الستارة عن صورته التي وُضعت إلى جانب صور أعلام الجنوب.

حضر الحفل إضافة إلى عائلة العلامة الأمين وأركان المجلس الثقافي حشد من الوجوه الثقافية والدينية والرسمية.

استهل الحفل نائب الأمين العام للمجلس الثقافي للبنان الجنوبي الدكتور عبدالله رزق الذي تحدث عن العلامة الأمين فقال:

“بخجل ندخل إلى عالم السيد، فمهما أحسنا التعبير سنبقى مقصرين. كيف لا.. وهو الذي حمل تحت عمامته، الواسع من العلم والمعرفة والانفتاح، فكان سيد الكلمة حين القول، وسيد الموقف حين وجب”.

تابع رزق مخاطباً العلامة الراحل قائلاً “بعد أكثر من عام على رحيلك الموجع، جئناك اليوم من نواحي الجرح جميعاً. فمن قادم من زمن الاستباحة في بيروت، إلى قادم من سيل الدم المقهور والألم الكامن في الضاحية، فإلى قادم من باب العتمة والضوء، باب القهر والكبرياء، باب الجنوب”.

وختم د. رزق بتحية إلى العلامة الراحل “سلام إليك سيدي في حضورك الدائم الذي لن يطويه غياب”.

بعد الدكتور رزق تحدث الدكتور أنطوان سيف عن العلامة الراحل محمد حسن الأمين وعن العلاقة الطويلة التي ربطتهما وتعود إلى عقود خلت حيث شكلت الرابطة الثقافية في أنطلياس رابطة مهمة في تلك العلاقة التي لم تخلو في يوم من الأيام من الأنشطة الثقافية الحوارية التي دأب العلامة الراحل على المواظبة والمشاركة فيها.

عندما انهدت اعمدة الروح مرتين

وتحت عنوان “عندما انهدت اعمدة الروح مرتين” تحدث السيد حسن فحص وهو نجل العلامة الراحل السيد هاني فحص فقال:

كثيرون قد يكونون اقدر مني في الحديث عن السيد الامين في خصوصياته الفلسفية والفكرية والسياسية والنضالية، ان لجهة زمالة ما، او رفقة نضال، او هم سياسي او اطروحة فكرية او فلسفية، لذلك سأختار الخاص، واذهب منه الى ملامسة العام، سأختار الحديث عن سر العلاقة التي جمعت وربطت بين زميلين وصديقين واخوين التقيا على مشرب واحد، وعاقرا هما واحدا حلالا طيبا يوصل الى الله ورضاه من دون افتعال او تعنت.

ذات عصر، كنت في شقراء التي ادمنت زيارتها لكثرة من احب فيها، اصولا وفروعا، وفي ساحة منزل النجل الارشد للسيد محمد حسن الامين، واستخدم هنا كلمة الارشد استعارة من اللغة الفارسية لدقة المصطلح في تعريف الابن الاكبر بالارشد، لما يتوسم فيه من سلاف الدفقة الاولى لخصال الاب. لان به، من المفترض ان تستأنس العائلة في حضور الاب او غيابه. وقد توسعت اللغة الفارسية في هذا الاستخدام لتسمي المستشار – الثقة بالارشد على العكس من اللغة العربية التي وصفته بكبير المستشارين، اما الاستثناء لا يشترط فيه الرشد والرشاد.

عصر ذلك اليوم، وفي منزل الاخ والصديق علي، ورب اخ لك لم تلده امك، وهي قاعدة عندي لا تستثني ايا من الابناء والاخوة لعلي. هامسني السيد الامين ، وقال سمعت انك اقتنيت منزلا بالقرب من هنا على كتف الحجير، فما السر في ذلك ولماذا هجرت جبشيت؟ عندها افشيت له بسري المكنون، الذي لم اطلع عليه احدا، وها انا اطلعكم عليه، ليبقى سرا بيننا، وعهدا منكم الا تفشوه. قلت له، ذات يوم كنت برفقة السيد هاني ومعي ابني مهيار في زيارة لكم في شقراء، وكانت المرة الاولى التي نمر فيها الوالد وانا من وادي الحجير ووادي السلوقي ما بعد التحرير، وقد افتتن بما شاهده وتمنى ان لو يكون له بيت على تلة من هذه التلال البكر. وشاءت الايام ان يرحل السيد، وتساعدني الصدف ان احقق هذه الرغبة وأعيد احياءها، واقتني بيتا يتنسم كل صباح عبق تاريخ هذا الوادي واحداثه المفصلية ماضيا وحاضرا. الا ان الحسرة بقيت تسكنني، لان من كان السبب الخفي في هذا الفعل، قد رحل قبل ان يجلس ويسرح عينيه على امتداد الافق الجنوبي باتجاه فلسطين ويملء رئتيه المتعبتين بعبق بيارات الجليل. سكت السيد الامين طويلا ولم يعلق. وفي احد الايام هاتفني الاخ محمود ابو عدي رفيق السيد في يومياته، وقال لي ان السيد في طريقه اليك ومعه كل الاحبة، فجلست على عتبة الباب، انتظر وصوله، بل كنت انتظر وصول السيد هاني فيه ومعه، الذي لو كان لصادر المكان كما صادرني في وجوده وغيابه.

على الرغم من مرور ثماني سنوات على رحيل والدي، اعلن عجزي عن كتابة نص يليق به كما كان يطالبني دوما، خاصة عندما كلفني عناء كتابة مقدمة لشهادات اصدقاء فيه وهو مازال على قيد الحياة، وكأنه كان يصر على حمل شهادات حبهم له لتكون في ميزان يوم الدين بطاقة عبور الى جنة المأوى التي وعد الله “اذا احب الله عبدا حببه للناس”، وعندما اردت ان اشهر حزني لجأت لما كتب السيد محمد حسن الامين،

شطران قلبي، فشطر حين بنت هوى / وبين جنبي شطر واله نكد
ما انصفتنا الليالي انت متسد برد / التراب ولي في الجمر متسد.

وقد تهيات كثيرا، خاصة مع الذكرى السنوية الاولى لرحيل السيد محمد حسن، ان اكتب عنه، وقد كنت اظنني قادرا، وان المهمة قد تكون اسهل في اختراع مسافة موضوعية مع المناسبة، فلم اقدر، لا بل عجزت ولم اتعاجز، ووجدتني اعود الى الابيات نفسها التي اقتضرتها منه قبل اعوام، لاعلن عن تجدد خسارتي ثانية بوفاة ورحيل وارتحال السيد محمد حسن، الذي جدد فاجعتي. الفاجعة التي اسقطت في الثامن عشر من ايلول كل ما حاولت بناءه من مفاهيم للتصالح مع الموت وفكرته، وفي اللحظة التي اقنعت نفسي بانني قد تصالحت مع موت السيد هاني، هزني وزعزع هذا التصالح خبر رحيل السيد محمد حسن ليل العاشر من نيسان، فما بين ايلول ولا تفصلني سوى ايام عن الغياب المدوي، ونيسان بما هو موعد لغياب اخر، تمتد خيوط فاجعتي ويتكثف الفقد في اروقة الروح وتتخثر الدمعة وتستعصي على الكلام.

في لحظة الموت، ولا اريد ان اصف غيابه، غيابهما بالموت، بل بلحظة انتباه ويقضة “الناس نيام اذا ماتوا انتبهوا”، فهي تخفف من وقع الفراغ الحاصل، ففي هذه اللحظة، سكنني سؤال قلق يقارب القلق الفلسفي ويهرب منه ليحافظ على بساطته بعيدا عن التعقيد والتقعيد، هل الحب يورث؟

يا سادة، اقولها بملء القلب والروح والعقل، نعم يورث، وهاكم قلبي برهانا، يورث من الاباء الى الابناء وحتى الى الاحفاد ومن دون شروط. فانا لم ارث من والدي سوى الحب، لم احاججه يوما على مال او ارض، سوى على كتاب وحب. وقد كنت اعمد لاختبار هذا الحب، ليس لتشوييه، بل لتثبيت قلبي على ما احب واحبتته معه” قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؛ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي”. فاجده ينتفض ويتحول الى ثائر او مقاوم يتصدى لمحاولات اغتصابه بعضا من روحه، وفي حالة السيد محمد حسن، كان يجبهني ويقول لي مقرعا قبل ان يرتد اليه طرفه “لا اسمح لك ان تتحدث عما عوضني الله به بعد حرماني”.

واذا ما كان السيد محمد حسن “الاخ الذي لم تلده” الحاجة فاطمة ام هاني، ولا اقول قد اصبح لي، بل كان لي العم الذي لم احصل عليه، ثم أليس العم في مكانة الاب. كان يكفيني ان ارى نفسي في موقع الدفاع عنهما، وان ادفع الثمن بكل رضى وحب.

لم ار في السيد ابي علي سوى الحب، واذا ما كان السيد هاني يكشف عن حبه بعفوية فلاح، فان السيد محمد حسن كان مثقلا بالحب، يخفيه بغطاء شفيف، ويمزجه بشيء من الغموض، حتى لا يؤخذ عليه، وكم حاول بقصائده ابتداع التوريات حتى لا يفتضح هذا الحب، لكنه في لحظات التجلي، تحرن اللغة بين يديه وترفض الاستمرار في التخفي، فيشف حتى ليكاد يعرى، ويقول عندها “جل الحسن عريانا”.

والحب شرط الشعر، وشرط الابداع، فلا يمكن ان تبدع في الرثاء اذا لم يكن فيك كثير من الحب للمرثي. واذا قلت في السياسة والثورة، فشرط الثورة الحب، لان الفعل الثوري هو فعل ايثار للقضية الاكبر وتغليب العام على الخاص، وهذا لا يتحقق الا بالكثير من الحب.

اذا نظرت اليهما من ناحية الافتراق ، كأنهما يقفان في مكانين وينظران الى مكان واحد، اراهما يمتدان طويلا، عبر ازقة النجف الاشرف ومدارسها وحلقات البحث والشعر والفكير فيها.

ما كان بينهما فيه الكثير من التداخل والتشابه والتناقص والوحدة واختلاف الامزجة وانسجامها في آن واحد. قرينان لا يفترقان او يتفرقان، وان افترقا فلعيودا ليلتقا على نصاب واحد متجدد. كانا واحدا في اثنين، او اثنين في واحد.

مبكرا، كان الصفة الملاصقة والمرافقة للسيد الامين منذ ايامه الاولى في النجف انه شاعر. وفي الوقت نفسه، اعلن السيد فحص براءته من الشعر ، مكتفيا بشاعرية صاحبه وكأنه هو الكاتب للاجمل من قصائده. فتكاملا نثرا بنثر ونثرا بشعر، خارجين على التقليد النجفي باتجاه الحداثة التي كانت تهمة، مع ميل من السيد الامين اكثر الى الشعر العمودي، ويتساويان في الميل الى الشعر الحديث، واستطاعا بمشاكستهما ان يتنزعا اعتراف الجماعة بتمايزهما في الفكر والادب والشعر والسياسية، وميل اكبر لدى السيد الامين للفلسفة التي تحولت منذ اطروحته في كلية الفقه حول الوجودية الى ميزة وخصيصة في شخصيته التي اتسمت بالهدوء الذي تستدعيه الفكرة المسؤولة المفتوحة على جميع الابعاد.

النجف كشفت الكثير من خفايا شخصية السيدين الادبية والعلمية، فانها ايضا كشفت ميلهما الى المظلوم ومعاداة الظالم مهما غير جلدته او اداوته او انتحل من مناحل يلتبس معها الحق، فيكملان السير في خطيهما، يعرجان على كربلاء، يقرآن المصرع على شهداء الطف، يستعيدان السيرة الاولى، يقفان على ضريح الحسين، يعاهدانه على نصرة المظلوم بالكلمة والموقف ان لم يسعف الجسد، فيطلان من هناك على فلسطين ليلتقا في فلسطين. التي لم يتسطع السيد الامين ان يميز بينها وبين الحبيبة، فقال:

“لأنا اثنان في الساحة، لأنا اثنان/ لا ظل ولا واحة.. نفيء اليها/ لا شمس تركض في بيادرنا … لا قمر يَهدِينا/ ويافا في خواطرنا، تحجر وجهها وتهدلت أغصان واديها / وجللها الغياب فما لنا فيها … سوى ذكرى تَعَثَّرَ بالتراب جَنَاحَها، واجترها النسيان / فلا شجر يُضيء البرتقالُ على ذوائبه ولا الاصحاب والخلان”.

هذه هي طريقة الحب عن السيد الامين، ان ينقل الخاص الى مصاف العام، وان يحصر العام في مقام الخاص، فيمتزجان ويتحدان، وعندها يصبح الدفاع عن العام اقوى واكثر تأثيرا، بما هو دفاع عن الخاص. وهذا ارقى درجات الحب.

في لحظة انسجام مع الذات، وامام هول المشهد الذي وقفا ينظران اليه، اقتضى ابتعدهما عن اليومي في السياسة دون ان يخرجا منها، وان يبتعدا عن الطائفية من دون ان يخرجا من طائفتيهما او تخرج منهما، ولكن لترتاح في داخليهما متوازية ومتداخلة، محتمية وحامية للطوائف الاخرى، مشغولة بالمواطنة نصابا او مقاما جامعا. هكذا التقيا في سوريا والموقف من احداثها، لم يعزعزهما لغط المرجفين، وهكذا كانا في النظرة الى لبنان، الوطن المعنى والرسالة والهوية الجامعة في تعدديتها وتركيبها الذي لا يلغي الخصوصيات بل يحافظ عليها.

يأتيني في الختام صوت الشاعر عامر عاصي العراقي الجنوبي الميساني، ليقول عني ما اعجز عن قوله، وكأنه التقط اللحظة التي اعانيها منشدا:

يا ضارب العود/ علق دمعتي وترا / إن المماويل انثى انجبت قمرا/ ودللته ، ونامت قرب ضحكته، وارضعته دموع العين والسهرَ / وخبأته حروبا في عباءتها، ودثرت خوفه، حتى اذا كبرَ، مضى يجوب المنافي، فهي قنطرة ما بين موتين، تمحو وجه من عبرَ/…. يا ضارب العود / لي حزني، ولي قمري، ولي غنائي الذي لا يشبه الغجرَ/ لي صوت مسعود، من ميسان يهتف بي/ يا أيها الولد المخدوع، كن حذرا/ لا تجرح الدمع في أعشاش اغنية، فالعود ينزف من اوتاره بشرا/.

هذه بعض الحال، ولعل مسلم الجابري، شريك الشعر والمشاغبة في النجف، قد اختصر كل منازل الحال عندما قال:
لا يوم ولا عام ولا عمر/ اليوم صمتك في ألحاننا وتر.

الكلمة الأخيرة في اللقاء كانت للدكتور محمد علي مقلد الذي تحدث عن علاقته بالعلامة الراحل السيد محمد حسن الأمين وعن أبرز المحطات فيها. بعدها أزاح الحضور الستارة عن صورة الراحل العلامة السيد محمد حسن الأمين التي وُضعت إلى جانب أعلام الجنوب

تصوير: حسام شبارو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى