رصد-قديم

العلم الفلسطيني “الرمز” .. يُرفع ولا يُحرق !!
خالد صالح

مناطق نت – البقاع

قد يقول قائل “هو تصرف فردي أرعن ومن دون أي خلفيات”، لكن إحراق “العلم الفلسطيني” خلال الصدامات بين مجموعة من اللبنانيين والناخبين السوريين المتوجهين للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية السورية في مقر السفارة السورية في اليرزة، أزال شيئًا من المساحيق التي وُضعت لتستر عورات كثيرة ..

الاعتراضات على المواكب السورية شملت العديد من المناطق اللبنانية، لكن أعنفها كانت في منطقة جونية – نهر الكلب، وهي منطقة ذات حساسية معينة، إذ شهدت صدامات وتكسير سيارات وقطع طرقات للوافدين من منطقة الشمال، أمرٌ قد يأتي في سياق رفض منح اللاجىء السوري حق الاقتراع، لأن ذلك يُسقط عنه صفة “اللجوء”، وبذلك تكون مسألة عودته إلى سوريا أمرًا أكثر من ضروري ..

لكن السؤال الجوهري الذي اثار الكثير من الغضب والقليل جدًا من الحبر، لماذا أقدم المحتجون على إحراق “العلم الفلسطيني”؟ في الوقت الذي تشهد فيه فلسطين المحتلة وقطاع غزة جولة جديدة من المجازر التي يرتكبها العدو الاسرائيلي، وما علاقة “العلم الفلسطيني” بالانتخابات السورية ليتم زجّه بهذه الصورة الفجّة والتي تبنتها إحدى المحطات التلفزيونية اللبنانية بشكل فاضح ؟ ..

منذ خروج “منظمة التحرير الفلسطينية” من لبنان عقب الاجتياح الاسرائيلي الغاشم في الـ 1982، وحكمًا نهاية ما يُعرف بـ ” إتفاق القاهرة”، لم يعد “الفلسطيني” لاعبًا بارزًا على الساحة اللبنانية، وبعد الـ 1990 بدأ يمارس دوره السياسي ضمن الأطر الرسمية والديبلوماسية، لكن ذاكرة البعض في لبنان القائمة على الرؤية من منظار “يميني” خالص، تستعيد مع كل محطة صفحات من الماضي لتعيد المشهد لعقود خلت، متناسية أنها وجه بشع من وجوه تلك الحقبة، وأنه أيضًا في ذاكرتنا الكثير من التفاصيل الدموية المحفورة في الوجدان ولن تزيلها كل المساحيق ..

ورغم أن ذاكرتنا تذخر بالتفاصيل والصور والمشهديات المؤلمة، لكننا تجاوزنا تلك المحطات القاسية، فلم نعد نستعيدها عند الاقتضاء ولا نلعب فيها وقت الحاجة، بينما الذاكرة لدى بعض الأطراف المسيحية التي ترفض الخروج من التبدلات القائمة في السياق الطبيعي للعمل السياسي، وماتزال أسيرة السياق التاريخي للأحداث، تُخرج من جعبتها كل ما دعت الحاجة “بعبع” الحرب الأهلية وما رافقها ملوّحةً بإمكانية العودة إليها إذا اقتضت الظروف ..

صحيح أن اعتراضات الأمس فيها وجه حق في مكان ما، لكن إحراق “العلم الفلسطيني” بهذه الصورة غير مبرّر، إذ لا علاقة بين الحدثين ولا ترابط بينهما على الإطلاق، سوى في مخيلة من أقدم على هذا الفعل، والذي كشف سوأة أفكاره واحتفاظه، رغم مضي أربعة عقود على خروج منظمة التحرير من لبنان، بالكراهية والحقد الدفين، لينبش في الذاكرة كلما دعته الحاجة إلى مبررات ..

إن “العلم الفلسطيني” ليس علمًا أو رمزًا لدولة فقط، بل أضحى منذ اعتماده رسميًا الرمز الصارخ للضمير الإنساني ومن الواجب التعاطف والتضامن مع هذه القضية المحّة، ومن غير الجائز أبدًا التعاطي معها من باب نبش الماضي وتعويم الأحقاد، وليس حقيقيًا أن صدامات الأمس أفقدت المعترضين على باصات الناخبين السوريين القدرة على التمييز بين العلمين السوري والفلسطيني، فالفروقات بين العلمين شاسعة، بحيث بدت الصورة متعمّدة وتحمل أكثر من رسالة ..

يكفي الشعب الفلسطيني ما قاساه ويقاسيه يوميًا من وحشية الكيان الصهيوني الغاصب، ويكفي هذا الشعب المرابط على تخوم “المسجد الأقصى” و “كنيسة القيامة” ما يقدمه على مذبح الدفاع عنهما أن نطوي صفحة سوداء من تاريخ العلاقات اللبنانية – الفلسطينية، في وقت هو بأمس الحاجة للتضامن والتكاتف معه في معركته المحقة لاستعادة وطنه المحتل وبناء دولته التي يحلم بها، لا أن نضعه في الواجهة ونكيل له عند كل مفترق ..

ستظل القضية الفلسطينية هي القضية المركزية الأولى عربيًا وعالميًا، ولن يضيع حق وراءه شعبٌ أبي ومجاهد يُطالب، وسيظل “العلم الفلسطيني” الرمز الساطع للإنسانية السمحاء، ولن تكون بعض التصرفات الرعناء عقبة أمام تمسكنّا بهذا الحق، لأن هذه التصرفات تدلّ بصورة عميقة على الأفكار الدفينة في أعماق من ارتكب عملية “الحرق”، لأن الطبع يغلب التطبع ..      

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى