جندر

هاربات من الجحيم.. لماذا تتنازل النساء عن حقوقهن ضد الجاني؟

أسماء بدر – صحافية مصرية 

في يوم كئيب بعد وفاة الأب والحزن ينهش صدر “منى” قررت الاستسلام والخروج لممارسة المشي علّها تجد فيه ضالتها أو ما يهون عليها رحيل الوالد.
بروح حزينة وملامح شاحبة وثياب مهلهلة، خرجت الفتاة إلى الشارع، كانت الساعة التاسعة مساء في شوارع وسط البلد بالقاهرة، وبالتحديد بالقرب من محطة مترو أنفاق محمد نجيب، سارت إلى جانب الأرصفة لتفادي من يعرقلون الحركة فوقه من كبار السن ورواد المقاهي.
في أثناء السير سمعت الفتاة المكلومة صوت سيارة “نصف نقل” قادمة من الخلف لكنها لم تكترث إلى كل الصخب الذي أحدثته، لكن فجأة قطع هذه الضجة صوت كف يد سائقها التي صفعت مؤخرة الفتاة بقوة وتعالت ضحكات صديقه المجاور له.

رغم صدمتها إلا أن منى قررت عدم السكوت أو أن يمر الأمر بسلام، فركضت خلف السيارة بأقصى سرعتها وبدأت تصرخ “مش هسيبك غير في القسم”، رددتها كثيرًا، حتى عاد قائد السيارة من جديد وصدمها وفر هاربًا، سقطت الفتاة على الأرض في حالة من الذهول والدهشة وعجزت عن الحركة تمامًا، دون أن يحرك أحد ساكنًا لنجدتها.

عنف مزدوج

استجمعت الفتاة التي نجت للتو من واقعة تحرش قذرة وسط الشارع، قواها وعادت إلى المنزل جريحة باكية، وفرّغت غضبها من خلال منشور عبر حسابها بموقع “فيس بوك” روت فيه الحادثة بتفاصيلها، وما أن نشرته حتى هاتفها رئيس تحرير المؤسسة التي تعمل بها ليخبرها بقرار فصلها من العمل بحجة “الحفاظ على سمعة المكان”.
لم تحرر الفتاة محضر تحرش أو تعدٍ فمن ذا الذي يشهد معها أمام ضابط القسم عند سؤالها عما حدث، إذ لم ينجدها أحد أو يتحرك لنجدتها ومد يد العون لها وهي مستلقية جريحة على الأرض، بالإضافة إلى أنها لم تلتفت لرقم سيارة الجاني.
تعود واقعة التحرش التي تعرضت لها الزميلة “منى محجوب” إلى عام 2015، لكنها لم تكن الأولى أو حتى الأخيرة، حيث مرت بوقائع مشابهة كثيرة جعلتها أقوى وأكثر صلابة وجرأة على مواجهة هذه الحوادث، حسب حديثها لـ “القاهرة 24”.

7.8 مليون امرأة تتعرض للعنف سنويًا

يعرف صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) العنف القائم على النوع الاجتماعي بأنه مصطلح جامــع ومظلــي يشــمل أي عمل ضار يُرتكب ضـد إرادة الشــخص، ومرجعــه الاختلافات المبنية اجتماعيًا بين الذكور والإناث، يشمل أفعالًا تلحق الأذى أو الألم الجسدي أو الذهني أو الجنسي، أو التهديـد بمثـل هـذه الأفعال، أو الإكراه أو حرمان آخر من الحرية.
ووفقًا للصندوق، يمكن تعريف العنف القائم على النوع الاجتماعي بشكل موسع بصفته يشتمل على خمس فئات من الأفعال هي: العنف الجنسي (الاغتصاب، والتحرش والاعتداء الجنسي)، العنف الجسدي ويشمل اللطم والصفع والضرب، العنف النفسي أو الذهني (الأذى النفسي واللفظي)، العنف الاقتصادي (تقييد الحركة والحرمان من الموارد)، وأخيرًا الممارسات التقليدية الضارة مثل تزويج الأطفال وتشويه الأعضاء التناسلية، وما يدعى بجرائم الشرف.

وفقًا لمسح التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي الذي أجراه صندوق الأمم المتحدة للسكان والمجلس القومي للمرأة والجهـاز المركـزي للتعبئـة العامـة والإحصـاء في عام 2015، تعاني 7.8 مليون امرأة من جميع أشكال العنف سنويًا، سواء على يد الزوج أو الخطيب أو أفراد في دائرتها المقربة أو من غرباء في الأماكن العامة.
ووجد المسح السكاني الصحي لعام 2014،  لحالات العنف المنزلي أن أكثر من 36% من النساء المتزوجات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 15: 49 عامًا تعرضن للعنف الجسدي منذ سن الـ15.

 

“عندنا ابن عاوزين نربيه”

في نهاية مارس الماضي ضجت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بصور لفتاة لا يتجاوز عمرها العشرين تعرضت لعنف جسدي وتعدٍ بالضرب من زوجها بمساعدة أخيه، أدى إلى تشويه وجهها، وسط تعاطف ودعم كبيرين من رواد تلك المواقع.
إسراء عماد الناجية من حادثة العنف الأسري وضحية الزواج المبكر التي تبلغ من العمر 18 عامًا، اعتدى عليها زوجها بالضرب والسب وإحداثه إصابات بمناطق متفرقة من جسدها بمطواة على إثر خلافات زوجية بينهما، حسبما أفاد تقرير الطب الشرعي.
بعد الحادثة قررت الفتاة إقامة دعوى أمام النيابة العامة وتحرير محضر تعدٍ وشروع في القتل ضد الجاني “زوجها”، ولم يمر أكثر من شهرين حتى تفاجئ إسراء الجميع بالتصالح مع المعتدي والتنازل عن الدعوى وإخلاء سبيله.
وفي تصريحات سابقة لـ “القاهرة 24″، بررت إسراء عماد ضحية العنف الأسري والزواج المبكر قبول التصالح وتنازلها عن حقها بأنها اشترطت على الزوج الطلاق حتى تلغي الدعوى المقامة ضده.

وأضافت إسراء: “عندنا ابن عاوزين نربيه”، ولا أريد أن يكتشف أنني سبب دخول والده السجن.

27.4% تزوجن قبل الـ18 عامًا

أوضحت المؤشرات الإحصائية وفقًا لنتائج مسح التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي للسيدات في الفئة العمرية (18-64 سنة) عام 2015، أن نسبة 27.4% من النساء المصريات تزوجن قبل بلوغهن الـ18 عامًا، أي أكثر من ربع النساء.
كما أشارت نتائج المسح، الذي أجراه صندوق الأمم المتحدة للسكان والمجلس القومي للمرأة والجهـاز المركـزي للتعبئـة العامـة والإحصـاء، إلى أن نسبة 1.5% من النساء تعرضن لعنف بدني وجنسي على يد أفراد العائلة والبيئة المحيطة منذ بلوغهن 18 عامًا أيضًا.

 

7.8  مليون امرأة تعاني من أشكال العنف سنوياً سواء على يد الزوج أو الخطيب أو أفراد في دائرتها المقربة أو من غرباء في الأماكن العامة.
(وفقًا لمسح التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي الذي أجراه صندوق الأمم المتحدة للسكان والمجلس القومي للمرأة والجهـاز المركـزي للتعبئـة العامـة والإحصـاء في عام 2015)
36% من النساء المتزوجات اللاتي تتراوح اعمارهن بين 15 – 49 عاما تعرضن للعنف الجسدي من سن ال 15
(وفقاً  للمسح السكاني الصحي لعام 2014). 

 

تحرش.. ودعم ومساندة

لحظات من الشك عاشتها “ملك” وهي تحاول أن تبعد فكرة أن يكون الوخز الذي تشعر به ومصدره أسفل مقعد الحافلة هو تحرش، لكن سرعان ما تحول الشك إلى يقين، وقررت أن تواجه وبالفعل نهضت وأمسكت به لكنه قلب عليها الطاولة وادعى أنها كانت تسرقه.

تعالت الأصوات والعراك أصبح سيد الموقف، سباب هنا وهناك، طلبت الفتاة من سائق الحافلة أن يتوقف أمام قسم الشرطة، واصطحبت المتحرش إلى الداخل، وهناك تعاون معها ضابط الشرطة وساندها في دعواها وحرر محضرًا أثبت فيه إفادة الطرفين، وأحيل الشاب إلى النيابة العامة.
وفي النيابة وجدت ملك الدعم مرة أخرى من وكيل النيابة الذي صدقها منذ البداية، وبعد ضغط اعترف المتحرش بجريمته وأودع الحبس الاحتياطي 15 يومًا على ذمة التحقيقات قابلة للتجديد، ورغم محاولات ذويه لتتنازل عن القضية إلا أنها أصرت على موقفها.

تراكمات نفسية

يقول الدكتور محمد هاني، استشاري الأمراض النفسية، إن الأسباب التي تدفع الناجيات من عنف أو تحرش للتنازل عن حقوقهن يرجع إلى عدة عوامل، إما لضعف شخصيتها، أو أنها تربت على عدم رد الإساءة والخضوع.
ويشير استشاري الأمراض النفسية، في تصريحات خاصة لـ “القاهرة 24″، إلى أن الضغط الذي يمارسه المجتمع على النساء يدفعهن للتنازل وضياع حقوقهن بداعي الحفاظ على “سمعتها”، حيث يرى في اعترافها بتعرضها لتحرش أو أي اعتداء خدش لحيائه، علاوة على إصابة الفتاة بحالة من الخوف والهلع ما يعيقها عن إحداث رد فعل مناسب خاصة قليلات الخبرة.

ويدعم هاني حق النساء في الاقتصاص من الجناة، حيث يرى أنه مهما كانت الأسباب والضغوط يجب ألا يتنازلن عن حقوقهن؛ لأن هذا يعطي دافعًا للمتحرشين وممارسي العنف بتكرار أفعالهم دون رادع، بالإضافة إلى التراكمات النفسية التي تتشكل عند الناجيات.

تحرش وضغط مجتمعي

في واقعة مشابهة لقريناتها، وأثناء عودة “هند” (اسم مستعار) من العمل في طريقها إلى المنزل، والساعة دقت الثامنة مساءً، تفاجأت بشابين يسيران إلى جوارها في شارع رئيسي، لكن أحدهما قرر التحرش بها لفظيًا، حيث وجه لها كلمات ذات إيحاء جنسي.
فار الدم في عروق الفتاة وما كان منها إلا أن جرت نحوه وضربته، لكن الشاب المتحرش قلب عليها الطاولة وادعى أنه ضحية وليس جانيًا، حسب حديث “هند”، وأنها اعتدت عليه بالضرب دون سبب.

امتلأ الشارع بالمارة وحاولوا جاهدين إفلات المتحرش من يد “هند”، “قالوا لي أنتِ بنت ما ينفعش تعملي كدا”، لكنها تشاجرت معهم وصممت الذهاب إلى قسم الشرطة لعمل محضر تحرش وتعدٍ بالضرب.
وفي قسم الشرطة كانت الكارثة، حسب وصفها، حيث سألها الضابط عن سبب تحرير المحضر فأجابت تحرش لفظي، وبدا لها الأمر معقدًا “حسيت إني هدخل في دوامة”، فقررت الرجوع عن قرارها خاصة في عدم وجود من يشهد معها ويؤكد إفادتها.
تعرضت “هند” لضغط مجتمعي ضمني حين لم تجد من يؤيد ويدعم قرارها وشهادتها وأنها ناجية من عنف وليست جانية، وحين تتذكر الواقعة تشعر بحزن شديد لأنها لم تثبت على قرارها وتنازلت عن حقها، وعزاؤها الوحيد أنها استطاعت أخذ ولو جزءًا بسيطًا منه بضرب المتحرش، وفق حديثها لـ “القاهرة 24”.

المصدر: القاهرة24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى