أحوال

القرى الحدودية مع سوريا…التهريب هو الحل!

إلقاء نظرة على الحدود الشرقية والشمالية للبنان كفيل برؤية علل النظام المجسّدة بكارتيل التهريب الذي لا يقل تعقيدًا عن كارتيلات الحكومة والتعقيدات السياسية. لعل التهريب يُظهر بامتياز علل النظام السياسي اللبناني وطبيعته المركزيّة والطبقية والزبائنية المتغلغلة فيه والحاجة إلى الوساطات للوصول إلى أدنى الحقوق الإنسانية.

يعبّر أحد سكّان بلدة المسعودية في عكار أن 99 في المائة من النشاط الاقتصادي للبلدة، يأتي من خلال عمليات التهريب والتجارة مع جهات خارج الحدود اللبنانية. والأمر لا يقتصر على تهريب المحروقات من بنزين ومازوت، بل يشمل جميع الاحتياجات اليومية وصولًا إلى “فرشاة الأسنان”. ويصف أن “سوريا هي رئتنا”، فعند اندلاع الثورة السورية أُغلقت بعض المعابر الحدودية، وتم إقفال العديد من منافذ التهريب في العديد من المناطق الشمالية والبقاعية.

تحمّل المعتمدون على التهريب كلفة هذا الانهيار وانعدمت الحلول في حالات كثيرة، خصوصًا في المناطق ذات الغالبية العلوية التي تحمّلت الأعباء بتأثير مضاعف إثر إهمال الدولة اللبنانية وانقطاع العلاقة السابقة مع النظام السوري.

يجسّد اعتماد أهالي المناطق الحدودية على التهريب النتيجة الأولى لغياب الدولة اللبنانية، ألا وهي انعدام ثقة السكّان المحلّيّين فيها والبحث عن شركاء خارج الدولة. فمع مشاريع زراعية حكومية غير مكتملة، بل ومع تأثير مضاد ومضر للبيئة، ومع قنوات مياه مهترئة تهدر المصادر الطبيعية لنهر اللبوة في مدينة القاع البقاعية، ومع تفشي الفساد والمحاصصة لبلديات القرى الحدودية، تولدت لدى السكان المحليّين حساسية تجاه كل ما له علاقة بالقطاع العام والدولة.

محسوبيات عابرة للحدود

حتى في عمليات التهريب غير القانونية، ينعكس الانقسام السياسي في لبنان عليها، حيث تظهر الامتيازات الطبقية والطائفية والسياسية وشروط من بإمكانه التهريب، أو حتى التجارة عبر الحدود بشكل عام. انعكس ذلك تحديداً بعد اندلاع الثورة السورية، وأدى إلى انقسام المهربّين إلى قسمين:

الأول يقوم بعمليات التهريب من مناطق حدودية لبنانية “داعمة للنظام”، وأكثرها في قضاء بعلبك-الهرمل حيث السيطرة لحزب الله. وهو ما انعكس ازدهاراً في عمليات التهريب التي انتعشت بفعل وساطات مع النظام السوري وتبادل تجاري لا حدود له. أما القسم الآخر فهي المناطق “الداعمة للثورة” التي تحمّلت انتقام النظام السوري منها، حيث قُطعت جميع العلاقات التجارية معها ووُضع حد لمحاولات التهريب بينها وبين شركاء سوريّين في الجهة المقابلة.

ولعلّ ثالث سمة يتميّز بها واقع التهريب في المناطق الحدودية هو الخلل الطبقي الفاضح، بحيث تشهد المنطقة تشكّل أوليغارشيا خاصة بها تزداد قوة وتسلّحًا من أموال التهريب. وأيضاً تشكُّل مافيات تتفادى قوى الأمن والجيش التدخّل في عمليّاتها، حيث يتحمّل الفلاحون والسكّان الذين “ليس لهم ظهر” كلفة أي أزمة سياسية واقتصادية وكلفة العسكرة والمراقبة الزائدة من قوى الأمن.

الإعلام ودوره السلبي

إضافة إلى واقع التهريب لا بد من الإشارة إلى الدور السلبي الذي لعبته المنصات الإعلامية التقليدية في تنميط أهالي بعض المناطق الحدودية، بحيث عبّر العديد من أهالي منطقة وادي خالد العكارية عن تزايد الاتهامات، منذ اندلاع الثورة السورية، ووسم المنطقة بإنها “مركزاً للجماعات الإرهابية”.

تُرجم هذا التنميط مزيداً من المراقبة الأمنية للسكّان المحليّين. ذكر أحد أعيان المنطقة أنّ مواقع التواصل الاجتماعي تقود تغييرًا جذريًّا في هذا الشأن، بحيث سمحت لأهالي مناطق مختلفة كانت على صراع أو على خلاف، بناء قنوات تواصل وتوطيد لعلاقات تأثّرت بمعارك سابقة أو خلافات سياسية وعشائرية.

مع التعقيد المتزايد للأزمة الاقتصادية والاجتماعية، بات التحوّل من نظام مركزي يهمل الأطراف إلى نظام لا مركزي يراعي خصوصيات كل المناطق ويقدّم مشاريع تنموية مستدامة ضرورة مصيريّة. يتضمّن ذلك إكمال مشاريع قنوات المياه المهملة التي تفوق كلفة إهمالها كلفة إكمال بنائها والاستفادة المحلّيّة من مصادرها الطبيعية بأشواط، إضافة إلى توفير شبكات حماية اجتماعية وتطبيق معايير مساعدة شفّافة لأهالي المناطق الأكثر تأثّرًا بتداعيات الأزمة، ودعم مشاريع الطاقة الشمسية خصوصًا في المناطقة الحدودية البقاعية الملائمة لهذا النوع من المشاريع، خصوصًا مع أزمة الطاقة الحالية.

إصلاحات ولا مركزية إدارية

إضافة لذلك، تحتاج تلك المناطق إلى إصلاحات إدارية لا مركزية في توزيع المشاريع العامة، أهمّها في قطاع التعليم والطبابة، نظرًا إلى اضطرار أهالي بعض البلدات الحدودية مثل معربون وحام إلى الإسراع في الحالات الطبية العاجلة نحو مستشفيات ومراكز طبّيّة بعيدة عن بلداتهم نظرًا لغياب المراكز الطبّية لديهم.

بإمكان المنظّمات غير الحكومية أن تلعب أدواراً أساسية لناحية دعم المشاريع الإنمائية المنتجة، وتكثيف قنوات التواصل ما بين أهالي المناطق المختلفة، وتقديم برامج تدريبية فنّية لحل النزاعات والتنسيق مع قوى الأمن الداخلي لضبط عمليّات التحريض وفكّ التنميط السائد حول المناطق الحدوديّة، الأمر الذي يؤثر على أي إصلاحات بإمكانها أن تُقدَّم للمنطقة، حيث يتماشى ذلك التنميط مع الخطابات العنصرية والطائفية لبعض أحزاب السلطة التي تهمّش أهالي الأطراف بشكل متزايد لكسب النقاط السياسية. طبعًا هذا مع تبنّي نظرة نقدية للدور التي تلعبه المنظّمات غير الحكومية المحلية والأجنبية وتبيان فعاليّة واستدامة المشاريع التي تقدّمها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى