رصد-قديم

المستقبل والقوات : البداية من 14 آذار والنهاية في 17 تشرين !!
خالد صالح

مناطق نت – البقاع

كان من الممكن المرور مرور الكرام على تغريدات الأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري الأخيرة، ‏والتي تناول فيها القوات اللبنانية بشكل مباشر، من دون أي تقييم أو محاولة بحث استقصائي، لكن الفجوة ‏الآخذة بالإتساع بين تيار المستقبل والقوات اللبنانية، تدفع إلى قراءة متأنية لمضمون هذه التغريدات، ‏لاسيما أن الدائرة الاعلامية في القوات اللبنانية سارعت لإصدار بيان ترد فيه على الحريري وتغالطه فيما ‏ورد على لسانه ..‏

ما يحكم العلاقة اليوم بين الطرفين يطرح جملة من الأسئلة العميقة والتي تحتاج لإجابات واضحة، ‏فالطرفان تصدّرا المشهد السياسي في لبنان بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقادا “ثورة الأرز” ‏في الرابع عشر من آذار 2005، والتقيا على ” المرة قبل الحلوة ” في الكثير من المنعطفات التي فرضت ‏نفسها بقوة على الساحة اللبنانية، وراهن الكثيرون على هذا ” التحالف ” إضافة إلى التقدمي الاشتراكي ‏للعبور نحو الدولة، فما هي الأسباب التي أدّت إلى هذا الشرخ فـ ” إنفخت الدف وتفرق العشاق “؟ ولماذا ‏إصرار القوات اللبنانية على مهاجمة الرئيس سعد الحريري منذ التسوية في العام 2016 والتي ساهمت ‏بشكل كبير في وصول العماد ميشال عون إلى قصر بعبدا ؟ ‏

شابت القرارات الأخيرة التي اتخذها رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع الكثير من الأخطاء وجاءَت ‏بمجملها غير صائبة، فغالبيتها كانت قرارات شعبوية ضيّقة موجّهة نحو المسيحيين بشكل عام وجمهوره ‏بشكل خاص، فالمشهد السياسي العام في لبنان عقب زلزال 14 شباط، فتح الباب أمام القوات للعودة إلى ‏لعب دور وطني عبر الشراكة مع مكونات وطنية أخرى والخروج من اصطفافاتها القديمة للدخول مجددا ‏للحياة السياسية، وبدلًا من التمسك أكثر بثوابت هذا التحالف، ذهب جعجع في خيارات تهدف إلى تعزيز ‏تموضعه في ” شارعه المسيحي “، مبتعدًا بشكل تدريجي عن تحالفاته الوطنية، بحثًا عن مسار محدد ‏يودي به إلى دخول قصر بعبدا ..‏

تعتبر القوات اللبنانية أنه بوسعها أن تطالب المستقبل بـ ” دين ” توجّب عليه، نتيجة وقوفها بجانبه بعد ‏اغتيال الحريري، وأن على الرئيس سعد الحريري فاتورة يجب سدادها، لكن الحقيقة مغايرة لهذه الرؤية، ‏فالصورة معاكسة تمامًا، إذ أن دين المستقبل على القوات كبير جدًا، بدءا من فتح الباب أمامها للمشاركة ‏في انتفاضة الاستقلال، وتقديمها للشارع السني بصورة ” الحليف ” الحقيقي، إلى قانون العفو العام الذي أصر عليه وأدّى إلى خروج جعجع من السجن، ثم الدور ‏الكبير الذي لعبه التيار الأزرق وساهم في تمثيل نيابي للقوات لأول مرة بعد انتخابات العام 2005، ‏ومشاركته قيادة 14 آذار، كتفًا على كتف، في السراء والضراء .. ‏

صحيح أن الحريري وجعجع شكّلا رأس حربة قوى 14 آذار، لكن جعجع إرتأى التماهي فصوّب ‏باستمرار على سلاح حزب الله، من دون تقديم أي حلول فعلية لهذا المطلب، وكان لتصويبه هذا أهداف مستقبلية رسمتها القوات اللبنانية لتثبيت رؤيتها ‏وبرنامجها، بحيث تقدّمت المصالح الشخصية على الأهداف الوطنية، الأمر الذي وضع ستارة داكنة أمام ‏عيني جعجع لم يستطع حتى اللحظة من رفعها، وتسببت بمواقف ارتدت سلبا عليه وعلى طبيعة تحالفه مع ‏التيار الأزرق، ولم تنجح كل المحاولات في رأب ما تصدع .. ‏ ‏

طغت حسابات جعجع الشخصية ” المسيحية ” على حساباته الوطنية، والتي كانت السبب وراء التنازل ‏في ترشيحه العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، لأنه لا يريد دخول شخصية ثالثة على خط بعبدا، ‏ويرفض أن يقف سليمان فرنجية على قدم المساواة معه، يعطي التيار الوطني الحر في اليمين اليوم ‏ليستعيده باليسار في المستقبل، ومنذ أن أعلن تبنيه هذا الترشيح على خلفية تبني الحريري لسليمان ‏فرنجية، والتي على إثرها بدأت السهام القواتية ترمى باتجاهه متهمة إياه بالتخلي عن مرشح 14 آذار لصالح مرشح 8 آذار، ‏بينما الحقيقة أن المفاوضات لوضع العناوين العريضة لما بات يعرف بـ ” اتفاق معراب ” سبق ترشيح ‏الحريري لفرنجية بشهور عدة، عبر لقاءات دورية ومباحثات بعيدة عن الأضواء بين ممثل القوات ملحم ‏رياشي وممثل التيار الوطني الحر إبراهيم كنعان .. ‏

تحكّمت في تصرفات القوات اللبنانية عمومًا وجعجع على وجه الخصوص صورة “قصر بعبدا”، وهو الهدف الذي وضعوه نصب أعينهم، ورغم ما تعرض له “اتفاق معراب” من ألغام تفجّرت بالعلاقة مع التيار الوطني الحر، ظلوا متمسكين به لا بل مدافعين عنه، وقد أعرب جعجع مؤخرًا عن ندمه للذهاب في خيار تبني عون لرئاسة الجمهورية، ورغم ذلك لم يجاهر مرة واحدة بـ ” نعي ” الاتفاق، لأنه يعلم أن هذه الخطوة تعني تحرر التيار الوطني من الالتزام بدعم المرشح ” الأقوى مسيحيًا ” لرئاسة الجمهورية، ولهذه الغاية تمّ حرف الأنظار عن هذا الأمر والتصويب دومًا على حليف الأمس، تارة بحجة ” مصلحته ” وأخرى بعدم الفائدة من المنظومة الحاكمة وآخرها نعت محاولة الحريري تشكيل الحكومة وفق ما نصت عليه المبادرة الفرنسية بـ ” حكومة محاصصة ” ..

ثمّة جملة من القضايا كان موقف القوات منها ملتبسًا، من استقالة الحريري الشهيرة في الرياض، إلى التشكيلات الحكومية، إلى حادثة قبرشمون والتي كانت مع انعقاد جلسة مجلس الوزراء وعلى جدولها إحالة الملف إلى المجلس العدلي، إلى جلسات اقرار الموازنة والتي أقرتها الحكومة بما فيهم وزراء القوات، وصوت كتلة الجمهورية القوية ضدها في المجلس النيابي، إلى البيانات الشعبوية التي تتهم الحريري دائما بالتنازل تارة لصالح باسيل وأخرى لصالح حزب الله، المر الذي بدا وأن القضية ” ليست رمانة بل قلوب مليانة ” ..

بدأت التباينات الواضحة بين ما يضمر جعجع وما يعلنه، خصوصًا مع اندلاع انتفاضة 17 تشرين والتي بدّلت المشهد السياسي في لبنان، فسارع إلى تبني عناوينها العريضة، ماعدا اسقاط رئاسة الجمهورية، فعمل على الدفع بـ ” بكركي ” لتزييل ” الموقع بـ ” خطوط حمراء ” فدعوته لحكومة اختصاصيين مستقلين، يتعامل معها بـ ” رفاهية ” الموقف لا أكثر، ورفع الصوت لإجراء انتخابات مبكرة بقي حبيس جدران معراب خصوصا أن هذا الصوت مترابط مع الحفاظ على القانون ” المسخ ” المعمول به حاليا، بل اعتبر أن أي تفكير بقانون انتخاب جديد هو بمثابة ” مؤامرة ” تمس جوهر التمثيل المسيحي، لكن الحقيقة تكمن في مكان آخر، فـ ” حكومة المستقلين ” بكامل تركيبتها، يعني إزاحة الحريري من المشهد السياسي لهذا لم يسمّه في مناسبتين ولم يتبنَّ مرشحه في الثالثة، وذلك يهدف للاستفراد بالشارع السنّي الذي تراه القوات رافعة مهمة لها في الانتخابات المقبلة لتأمين عدد كبير من النواب ليفرض العنوان الأساسي في معركة انتخابات الرئاسة ” الأقوى مسيحيًا ” ..

يعمل جعجع على خطين متوازيين يصبّان في الهدف نفسه، الأول على تطويق أي محاولة تفرض واقع رئاسة الجمهورية في الـ 2022 ( باسيل أو فرنجية ) من خلال انتخابات نيابية مبكرة معتمدا على تبدل المزاج المسيحي من جهة وعلى غضب الشارع السني من جهة أخرى، لفرض نفسه كممثل أقوى للمسيحيين في لبنان، والخط الثاني لايريد أن يظهر بصورة الذي قطع ” شعرة معاوية ” مع المستقبل، من خلال محاولة تحييد قاعدته عن قيادته للظهور بصورة البطل المنقذ لهم في المرحلة المقبلة، لهذا قفز من المركب واستقلّ مركبا فيه خليط من المصالح الشخصية والأحلام الرئاسية والعناوين الثورية، الأمر الذي جعله في عزلة عن الجميع، عزلة هو فرضها على نفسه ..

لم تأت تغريدات أمين عام المستقبل من فراغ، فالتيار الأزرق يراقب بدقة المشهد القواتي، و” يبلع ” الهجومات اليومية من معراب على بيت الوسط، ويتعامل معها بالدقّة المطلوبة، الأمر الذي اعتبرته معراب تراجعًا وعدم المقدرة على المواجهة، لا بل ارتفعت حدّة الهجوم في الآونة الأخيرة مترافقًا مع حملة موازية شنتها فرقة من ” المغضوب عليهم ” على الحريري، مما حدا بالأمانة العامة لتيار المستقبل على التصدّي لهذه الحملة وتوضيح جملة من المغالطات التي وقعت بها القوات منذ بداية العهد وهي السبب الذي أدّى بحسب ” القنطاري ” إلى كسر الجرة والشروع في المواجهة وجها لوجه ..

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى