متابعات

النفط السعودي باليوان الصيني.. خطوة “دراماتيكية” مرتقبة وتحذير لولي العهد

أكد مصدران مطلعان لصحيفة “وول ستريت جورنال” أن السعودية تجري مشاورات مع الصين لتسعير بعض من صادراتها النفطية باليوان، في خطوة يتوقع أن تؤثر على سيادة الدولار في أسواق النفط العالمية، وتعد مؤشرا على توجه أكبر مصدّر للخام في العالم نحو آسيا.

وذكرت الصحيفة الأميركية أن المباحثات حول العقود المتوقع تسعيرها باليوان، بدأت منذ حوالي ست سنوات، إلا أنها شهدت نموا بشكل خاص خلال العام الحالي، في وقت أظهر فيه السعوديون استنكارهم للالتزامات الأميركية بشأن الدفاع عن سلامة المملكة، في ظل الحرب القائمة ضد الحوثيين في اليمن.

كما عبرت المملكة مرارا عن عدم قبولها لتوجه إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، نحو عقد اتفاق نووي مع إيران، عدوها اللدود، بالإضافة إلى الانسحاب الأميركي من أفغانستان، الذي “صدم” السعوديين، وفقا لما نقلته “وول ستريت جورنال” عن مصادرها.

يذكر أن الصين تشتري أكثر من 25 في المئة من صادرات السعودية النفطية، وإن تم تسعيره باليوان، فإن تلك المبيعات ستنعش مرتبة العملة الصينية عالميا، ومن المتوقع أن يدفع تسعير جزء صغير من صادرات المملكة البالغة حوالي 6.2 مليون برميل يوميا بأي عملة غير الدولار إلى تغيير عميق.

ويبرز الدولار في 80 في المئة من مبيعات النفط العالمية، وكانت المملكة قد حددت الدولار للمبيعات النفطية منذ عام 1974، في اتفاقية بعهد إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون، شملت في المقابل ضمانات أمنية للمملكة.

تقارب مع بكين.. وتباعد مع واشنطن

وكانت الصين قد أبرزت عملتها، اليوان، في العقود النفطية عام 2018، لكن مساعيها لم تنجح في كبح سيادة الدولار بالأسواق العالمية. كما واجهت بكين صعوبات في استخدام الدولار بسبب العقوبات المفروضة على إيران، بسبب نشاطاتها النووية، وروسيا، بسبب اجتياحها لأوكرانيا.

وخلال السنوات الماضية، أنعشت بكين علاقاتها مع الرياض، حيث ذكرت تقارير أن السعودية تعمل على تطوير صواريخ بالستية خاصة بها بمساعدة صينية، ووفرت استشارات بشأن برنامج المملكة النووي وبدأت استثماراتها في مشاريع ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان الاقتصادية، مثل مدينة “نيوم”.

وفي الوقت ذاته، تدهورت علاقات المملكة مع واشنطن في عهد بايدن، وفق تعبير الصحيفة، وكان الرئيس الأميركي في حملته الانتخابية عام 2020، قد انتقد ولي العهد السعودي بعد أن أشارت تقارير الاستخبارات الأميركية إلى ضلوعه في مقتل الصحفي، جمال خاشقجي عام 2018.

كما أن الأمير محمد بن سلمان، رفض المشاركة في مكالمة هاتفية جرت بين بايدن والعاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، الشهر الماضي، وفق الصحيفة.

ويأتي هذا أيضا مع تراجع العلاقات الاقتصادية بين السعودية والولايات المتحدة، إذ تعد الأخيرة اليوم من بين أكبر منتجي النفط في العالم.

وكانت الولايات المتحدة تستورد مليوني برميل نفط يوميا من المملكة في بداية التسعينيات، إلا أن هذه الأرقام تقلصت لتبلغ 500 ألف برميل بحلول ديسمبر عام 2021، وفقا لإحصائيات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وبشكل معاكس، تضخم معدل الاستيراد الصيني من النفط السعودي خلال العقود الثلاثة الماضية، لتصبح المملكة من أكبر مزودي النفط لبكين عام 2021، وبلغت صادراتها 1.76 مليون برميل يوميا، تليها روسيا بحوالي 1.6 مليون برميل يوميا، بحسب أرقام الدائرة العامة للجمارك الصينية.

وقال مسؤول سعودي مطلع على المحادثات الصينية للصحيفة الأميركية إن “الديناميكيات تغيرت دراماتيكا. العلاقة الأميركية مع السعودية تغيرت، الصين اليوم هلي أكبر مستورد للخام، وهم يوفرون حوافز مربحة للمملكة”.

وأضاف “الصين قدمت كل ما يمكن أن تتخيله للمملكة”.

من جهته، وصف مسؤول أميركي رفيع لـ “وول ستريت جورنال” توجه السعوديين لبيع النفط إلى الصين باليوان بأنها فكرة “شديدة التقلب وعدائية”، مستبعدا حصول ذلك بالفعل، مشيرا إلى أن الرياض كانت طرحت هذه الفكرة في الماضي عندما شهدت علاقاتها مع واشنطن توترا ملحوظا.

تبعات “غير متوقعة”

ورجحت الصحيفة أن يتراجع السعوديون عن القيام بتلك الخطوة، لأن تغيير تسعير النفط باليوان عوضا عن الدولار “قد يهز الاقتصاد السعودي”، بالأخص وأن الريال مرتبط بالدولار، وأشارت “وول ستريت جورنال” إلى أن مستشاري ولي العهد السعودي حذروه من “أضرار اقتصادية غير متوقعة” إن بادر بتنفيذ خططه على عجلة.

وإن زادت المملكة مبيعاتها باليوان، فإن الاقتصاد السعودي سيقترب من الاعتماد على العملة الصينية، التي تواجه صعوبات في التعامل مع المستثمرين العالميين بسبب الإجراءات المقيدة التي تفرضها بكين على تداولها.

ومن شأن الاعتماد على عملة متقلبة في تسعير عقود النفط السعودية أن يؤثر على تطلعات النمو المالي التي رسمتها المملكة.

كما أشارت “وول ستريت جورنال” إلى أن التأثير الذي قد يطال الاقتصاد السعودي، في حال أقدمت على التسعير باليوان، سيعتمد على متغيرين، كمية المبيعات التي يشملها التسعير وأسعار النفط.

ويرى بعض الخبراء الاقتصاديين أن الابتعاد عن سوق المبيعات النفطية الذي يحكمه الدولار، من شأنه أن ينوع قاعدة أرباح المملكة، بل قد يعيد إنعاش الريال.

وتقول مونيكا مالك، الخبيرة الاقتصادية في بنك “أبو ظبي التجاري” للصحيفة الأميركية: “إن قامت بفعل ذلك الآن بينما أسعار النفط قوية، لن ينظر إلى الأمر بشكل سلبي، بل سينظر إليه على أنه تعميق للعلاقات مع الصين”.

فالسعودية تعتزم استخدام الدولار في معظم مبيعاتها النفطية، وفقا للأشخاص المطلعين على المفاوضات، إلا أن إقدام الرياض على التسعير باليوان، قد يدفع مستثمرين آخرين إلى فعل ذلك، من بينهم أبرز المصدّرين إلى الصين: روسيا وأنغولا والعراق.

ومن شأن التسعير باليوان أن ينقِص من سيادة الدولار في النظام المالي العالمي، ويقول غال لوفت، الخبير الاقتصادي في معهد “Analysis of Global Security” بالعاصمة واشنطن للصحيفة: “سوق النفط، وبشكل مماثل سوق السلع العالمية، هي بوليصة التأمين لضمان استقرار الدولار كعملة احتياطية”.

وأضاف “إن أخذت طوبة من الحائط، فإن الحائط سينهار بأسره”.

الحرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى