أحوال

“الراكب بـ 10 آلاف”.. هكذا يصرخ صاحب “الڤان” رقم 4

النقل المشترك.. فوضى عارمة وتسعيرة "كل من إيدو إلو"

صرخة “الراكب بـ 10 آلاف” التي يطلقها “شوفير” الفان رقم 4 من شباكه أثناء مروره ليلتقط الركاب، ليست موجّهة لهم، إنّما في وجه الظلم الذي يتعرض له الناس. يطلقها في وجه سلطة فقدت كل شيء، ولم يعد هناك من وصف أو تعبير نطلقه عليها. صفة الإجرام هو أقل ما يجب أن يُقال لسلطة تخلت عن ناسها وتركتهم في مهب الموت لا يدرون ما يفعلون. شعب بأكمله يئن ويتألم تحت سياط غياب الحد الأدنى من مقومات الحياة، وسلطة تقف متفرجة تنظر بدم بارد إلى ناسها وهم يتألمون ويموتون.

النقل العام من شبكات أنفاق ومترو وقطارات هي الركيزة الأساسية في تنظيم المدن وإنشاؤها، وهي أولوية لا يعلوها شيء في البلدان التي يُطلق عليها دول، لكن في لبنان الذي يفتقد كل شيء وأولها النقل المشترك في لبنان وشبكة للنقل العام فهي أضغاث أحلام.

بمجرّد صدور بيان أول من أمس عن مصرف لبنان يُعلن فيه أنه رفع الدعم عن المحروقات، قامت الدنيا ولم تقعد بعد. تسعيرة النقل سواء للسيارة أو للڤان المعمول بها صارت في خبر كان. التنقل من مكان لآخر صار أمراً صعباً لمن هم يستعملون وسائل النقل المتوفرة من ڤان أو سيارة أجرة، وأصبحت حكراً على من يستطيع إليها سبيلا، وذلك بسبب ارتفاع تعرفتها إلى أرقام خيالية أصبحت خارج قدرة ذوي الدخل المحدود، الذين لم يعد لهم خيار سوى الجلوس في المنزل عاجزين حتى على التنقل في أرجائه بسبب انقطاع الكهرباء والمياه وغيرها. فماذا نفعل!

النقل المشترك في لبنان

حان وقت رحيلي إلى العمل، إنّها العاشرة بتوقيت بيروت! ولكن، ماذا سأستقل؟ كل ما أملكه هو 50 ألف ليرة فقط! بالعادة، أستقل سيارة أجرة والتي وصلت أخيراً تسعيرتها إلى 8 آلاف ليرة. ولكن، يقولون الآن أنّ “السرڤيس” ارتفعت تسعيرته وإن لم ترتفع الآن سترتفع بعد تنفيذ قرار رفع الدعم مباشرة.

بتَ خائفة من استقلال سيارة أجرة، فماذا لو صاح السائق في وجهي: “الراكب بعشرين ألف”. عندئذ سأدفع بدل انتقالي من المنزل إلى المكتب ذهاباَ وإياباَ 40 ألفاً، ولن يبق لي سوى 10 آلاف للأكل. إذاً سأصبح غير قادرة على شراء أي ساندويش من المطعم. فهي بالتالي بات سعر الواحدة منها لا يقل عن ثلاثين ألفاً.

الآن، ليس أمامي من حل سوى أن أستقل ڤان رقم 4 ، وإكمال باقي الطريق سيراً على الأقدام، فـ 20 ألف أفضل من 40. حين أنزلني الڤان وبدأت السير نحو المكتب، لم أصدق ما وصل إليه حالنا. وكيف أصبح جل ما نفكر به يومياً هو كيف نؤمن طعامنا وشرابنا وكهربتنا وماؤنا ودواؤنا! والآن كيف سننتقل من مكان إلى آخر!

أصحاب الڤانات يشكون

هؤلاء الذين يصيحون في وجهي أنّ الراكب بـ 20 ألف لا يملكون سوى وسيلة النقل المشترك في لبنان لتأمين قوت يومهم. فسائق الأجرة يوسف الذي يؤكّد أنّه في حال تم العمل بقرار رفع الدعم، فإن “تفويلة” السيارة ستكون بمليون ليرة لبنانية، محتسباً السعر الذي حدده المصرف على دولار الـ 20 ألف أي 300 ألف ليرة للصفيحة الواحدة. بالإضافة إلى الضريبة المضافة على الأرباح وربح محطة الوقود، ليصبح سعرها النهائي يتراوح بين 330 و340 ألف ليرة.

هذه المليون تكفي “الڤان” يوم ونصف يوم فقط، إذاً سيعمل السائق أوقات طويلة ومتواصلة ليتمكّن من سداد التكلفة وربما لن يتبقَ له سوى القليل ليعتاش به.

في السياق نفسه، أرسل مهدي قصاص عبر “الواتساب” تسعيرة جديدة لفانات بعلبك، مؤكّداً أنّه سيتم العمل بها ابتداءً من الغد. ويضيف: “قد ما أخدنا، والله ما عم توفي معنا. يعني تخرب قطعة زغيرة عم نحط يلي اشتغلناهن كل الجمعة”، مؤكّدا أنّ عشرات الشبان من أصدقائه تركوا هذه “المصلحة” وربما يلحقهم عشرات آخرين بهم.

في تسعيرات النقل المشترك في لبنان الجديدة طرفان، الأول هو من يستقل الفان والذي يمكن أن يكون طالب أم عسكري راتبه لا يتجاوز المليون ونصف المليون، أو موظف لا زال يتقاضى الحد الأدنى للأجور. أما الطرف الثاني، فهو صاحب “الڤان” أو مستأجره وبالتالي فهو إما يسد أجرة النمرة أو أجرة “الڤان”.

فوضى التسعيرات

قبل الأزمة والانهيار كانت تسعيرة سيارة الأجرة ألفي ليرة لبنانية، ارتفعت لتصل إلى 3 آلاف ليرة بداية 2020 .لتبلغ أعلى مستوياتها منذ أشهر قليلة فتصل إلى 8 آلاف ليرة رغم أنّ التسعيرة الرسمية لا زالت 4 آلاف.

أما، بالنسبة إلى “الڤان” الذي يعمل ضمن منطقة بيروت، فكانت تسعيرته قبل الأزمة لا تتجاوز الـ 1000 ليرة لبنانية لترتفع إلى ثلاثة ألف في بداية العام 2021 ثم 4000 بحسب البعض.

فوضى تسعيرات النقل المشترك في لبنان هذه ستستمر في ظل الانهيار الذي نعيشه. وقد نصل إلى يوم لن يكون باستطاعتنا معه التنقل خارج الحي الذي نقطنه، وقد يصبح للضرورة فقط. يبقى حلم خطة إصلاحية تقوم بها الدولة من أجل دعم النقل المشترك مشروعاً، لكنه على الأرجح سيبقى حلماً.

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى