تحقيقات

انفجار المرفأ .. ماذا عن الأضرار النفسية غير المحسوبة؟

المجتمع أو المحيط لا يعلم. قاس هذا الحكم وليس اعتباطيا. والسبب واضح. وهو أننا دائما نستثني الاضرار والخسائر النفسية من كوارثنا ومآسينا، وننهمك بالخسائر الأخرى من بشرية ومادية. ولا نكتفي باستثنائها، لا بل نتستّر ذاتيا عليها، نعتبرها أضرارا جانبية أو موضعية لا تستحق الحديث عنها أو الاهتمام بها.

أكبر من جغرافيته، شظاياه القاتلة والجارحة نفسيا وصلت إلى أقاصي لبنان، إلى أناس وعائلات بعيدون جدا عن المرفأ. هؤلاء ضحايا انفجار المرفأ  بكل ما تحمله كلمة ضحية من معنى. لا يطلب هؤلاء تعويضا بل ما نعتبره أضعف الإيمان. وهو أن يخرج مجتمعهم الصغير والكبير من أفكاره الساذجة والغبية عن العلاج النفسي. ذلك أن هذه الأفكار تفاقم من آلام المصابين بمشاعرهم وعواطفهم جراء هذا الانفجار الرهيب.

ليس ترفيها، عندما تجدول الأمم المتحضرة الأصرار النفسية مع خسائرها الأخرى عند الكوارث. وتستتبع ذلك، بتجنيد طاقات وموارد للتخفيف من آثار هذه الأضرار. هي تدرك تداعيات خراب الأنفس على اقتصادها ونموها وعافيتها المجتمعية. أما عندنا فيحدث العكس تماما.

 التصورات الساذجة للمجتمع

ابتسامة ابنة خالتها عبير هي التي أزعجت سارة عندما فتحت لها الباب. تعرف سارة ماذا تخفي عبير تحت ابتسامتها. هي ابتسامة بلا عمق، هي قشرة على شفاهها تغطي فيها شفقتها على الحال التي انتهت إليها سارة. وماذا إذا ذهبت لمعالجة نفسية بعد الذي عاينته في انفجار المرفأ ؟ تسأل سارة نفسها، إلى متى ستبقى هذه الفكرة المغلوطة عن العلاج النفسي؟ وعليه، أخذت على عاتقها أن تكون مباشرة مع عبير ومناقشتها في الذي لا تفصح عنه ابتسامتها.

نجحت سارة في تصويب موقف عبير. قابنة خالتها لم ترتكب ذنبا بل هي عبرت بطريقتها العفوية والساذجة عن تصورات المجتمع للعلاج النفسي.

زوج سحر لا يختلف عن عبير، هذا الشخص لم يتوان عن تنبيه الطبيب النفسي بشيء من الحزم “ما تعطي مرتي أدوية هلوسة” عند طلبها. كانت سحر قد بدأت تشعر بأنها تتفكك وبحاجة إلى لملمة ذاتها. ذات مرة قالت لطبيبها “عطيني لي بدك اياه بس رجعني أنا”. عدم تفهم زوجها لحالتها، جعله متواطئا مع الضغوط النفسية التي سلبتها ضحكتها وشغفها واهتمامها بطفلتها. لم يستطع زوج سحر مداراة زوجته، وليتخلص من مسؤوليته، أرسلها إلى أهلها مبررا الأمر بعدم قدرته على تفهمها.

على المقلب الآخر زملاء في العمل غير متفهمين، فتوضح لنا رنا بأنّها وأخيرا اتخذت قرار الذهاب إلى المعالجة النفسية، وبابتسامة عريضة وضعت رجل على رجل وحملت قهوتها في يدها قائلة لزملائها: “قررت من بعد الضغط الكبير إنو روح احكي مع معالجة نفسية، لأن ما بقا قادرة كفي. “الابتسامة العريضة قابلها وجوه شاحبة مستنكرة وأقوال غريبة “أنا كيف بدي خلي أشخاص غربا يحلولي مشكلتي، شو الضعف يلي وصلتلو” “ليش شو ناقصك، صبية معلمة عم تشتغلي منك مشغولة”.

انفجار المرفأ
عبارات نمطية يتعرض لها كل من يلجأ إلى العلاج النفسي.
هذه الكلمات يرشق بها كل من يصرّح عن متابعته للعلاج النفسي، وكأنه ضرب من الجنون. لكن ما هذا الإفتراء في بلد فاقت قدرة أبنائه على تحمّل الأزمات؟ ومن منا لم يجد في نفسه حاجة لترميم أجزاء من روحه بعد إنفجار 4 اب؟
بعد إنفجار المرفأ : إمّا العلاج النفسي أو الانهيار الجسدي.

“ليش هني مش أنا؟” “ليش أنا بقيت؟”…النجاة من الانفجار لم يكن فرحة لدى داليا بل انقلب شعورا بالذنب، فالشابة التي تضج بالحياة وتنهمك بمساعدة الآخرين لم تكن قادرة على تقبل فرصة نجاتها وموت الآخرين في انفجار 4 اب. الشعور بالذنب تعاظم، عندما أمسكت هاتفها ودخلت لتكتب بوست للمساعدة على فايسبوك. لكنّها ذهلت بصورة صديقتها بين عداد المتوفين “عرفت من الفايسبوك”. لم تصدق الخبر في لحظتها بل أكملت عملها التطوعي الذب بدأت فيه منذ اليوم الأول.

ساعات من العمل المتواصل من الكرنتينا إلى برج حمود ومار مخايل، خبر وفاة صديقتها. كلّها أمور فاقت قدرة داليا على التحمّل حتى فكّرت بالانتحار. لم تستسلم فقررت طلب رقم جمعية امبريس من أصدقائها رغم أنّها تمتلكه، لكن كنوع من التعبير عن أفكارها السيئة أو القول “أنا لست بخير!!! “.

بعد 15 يوما على انفجار المرفأ ، تقول داليا: “ما عم بقدر آكل، نام ولا إتحمم.” “4 آب وبعد 4 آب في فرق كبير، الأمور جدا جدا جدا بشعة.” وتضيف بأنّها كانت جالسة في المنزل مع أصدقائها، فشعرت بالاختناق وعدم القدرة على التنفس، ما أشعرها بضرورة التوجه إلى العلاج النفسي.

لم تتوفر لداليا الفرصة في المتابعة لدى المعالج النفسي بسبب الضغط الكبير على العلاج النفسي، فاختارت الطبيب النفسي كعلاج مؤقت. تقول داليا عن هذه التجربة: “مضاد الاكتئاب كان رح يعمل دافع ومش رح يغيرلي شي براسي” ثم تضيف:”أنا ما كنت بقدر اقعد معك لو ما رحت ولو ما حاوطتت نفسي بأشخاص رح يفهموني.”

انفجار المرفأ
الفرق بين المعالج النفسي والطبيب النفسي.
العلاج هو الحل لا الاستسلام!

أصوات انفجار المرفأ  وبكاء الأطفال ترافق علاء طوال الوقت ويعيقان قدرته على التنفس. هذا الشاب الذي كان قد توقف عن تعاطي المخدرات قبل عودته إلى لبنان، عاد إليها في الليلة الأولى بعد إنفجار آب. كان علاء قد إنضم إلى الشباب المتطوعين على الأرض، وقرر البقاء هناك في الأشرفية 3 أسابيع متواصلة.

تفكير علاء بأن المجاعة حاصلة لا محال وأنّ الأمور لن تعود إلى طبيعتها قبل سنتين على الأقل، فضلا عن منعه من المساعدة في إنتشال الطفل الذي زعم أنّه تحت الركام تسببوا بضغط نفسي كبير فاق قدرته على التحمل. هذا الضغط انعكس سلبا على صحته الجسدية، فأعاق قدرته على المشي لفترات متقطعة حتى قرر التوجّه إلى مركز سكون بيروت لمعالجة الإدمان والدعم النفسي.

انفجار المرفأ .. صدمة جماعية

بعد سنة على انفجار المرفأ  عولجت الأضرار الجسدية وعمّرت البيوت لكن الأرواح لا زالت تتكبد الكثير من المعاناة. ولعلّ أبرز من لجأوا إلى العلاج النفسي، يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة بحسب المعالجة النفسية غريس. فالصور والأصوات التي حفرت في ذاكرة كل من كان في لبنان أدت إلى صدمات نفسية للكبار والصغار.

فغريس تؤكّد أن من بين كل 3 أشخاص، اثنان يعانون من القلق والاكتئاب. ولفت مؤشر غالوب العالمي في لبنان بتاريخ 15 آذار 2021، بأن 4% فقط من اللبنانيين أقروا واعترفوا بأنهم يعيشون حياتهم على الأراضي اللبنانية بشكل ايجابي.

انفجار المرفأ
اضطراب ما بعد الصدمة: تعريف وعوارض.

لن يتوقف الأمر عند حدود اضطراب ما بعد الصدمة في حال رفض العلاج أو تأجيله، فاضطراب ما بعد الصدمة قد يتطور إلى الأرق والقلق ثمّ الاكتئاب وصولا إلى الانتحار. فالأفكار السلبية لا حدود لها، كما تؤكد المعالجة غريس أن كل يوم تأخير للعلاج يعادل سنة من الوجع.

جويل غسطنطين التي يرافقها الخوف على أقربائها وأحبائها من الموت كل يوم، أجبرت على ترك العلاج النفسي بسبب إرتفاع الكلفة. فقد أخبرتها معالجتها أنّها سترفع التكلفة إلى 400 ألف ليرة لبنانية للجلسة الواحدة. إلاّ أنّها تلجأ إلى التخفيف عن نفسها عبر متابعة ذاتية، فتقول بأنّها تحاول عدم التفاعل مع الأفكار السلبية من خلال الاكتفاء باللحظة. فمثلا تمارس المشي أو حتى غسل يديها عندما تخطر على بالها فكرة سيئة. وتعلّق المعالجة غريس بأنّ هذه الطريقة تخفف لكنها لا تحلّ الأمر نهائيا، مشجّعة على تركيز الشخص على إهتماماته أو ممارسة الأشياء التي يحب.

الدعم النفسي.. فرصة متوفّرة للجميع

بعد انفجار المرفأ  هبّ الجميع للمساعدة، فتكاتفت المبادرات الفردية والمنظمات الإنسانية لترميم الأجساد والأرواح. في هذا الإطار قدّمت بعض المراكز فرصا مجانية للدعم النفسي-الإجتماعي منها ما نشط بعد 4 آب ومنها ما كان قائما ولا يزال.

فإذا كنت تشعر/ين عزيزي/تي القارئ/ة بتعب نفسي يرافقك طوال الوقت، ليس عليك إلا الاتصال بالمبادرات التي وضعناها لك في دليل أسفل المقال، وهي ستتولى المهمة للمساعدة بسرية مطلقة. لكن، وبسبب الضغط الكبير على هذه المبادرات ستضعك بعضها على لائحة الانتظار، فلا تقلق. فهي إما ستعاود الاتصال بك أو حاول أنت الاتصال بأكثر من مبادرة لتحصد النتيجة المرجوة.

دليل المنظمات
 

أطلقت Embrace الخط الساخن الأول للوقاية من الانتحار في لبنان Embrace   LifeLine بالتعاون مع البرنامج الوطني للصحة النفسية ، وهي خدمة هاتفية مخصصة ومتخصصة، تضم مشغلي هاتف مدربين تدريبا عاليا ويؤمنون تقييما لخطر الانتحار والدعم العاطفي للمتصلين، مع إحالتهم إلى المراكز الاجتماعية المناسبة للعلاج.

1564
من الساعة الثامنة والنصف صباحا حتى الخامسة والنصف صباحا
EmbaraceLebanon.org
info@embracelebanon.org

تقدم خط ساخن للدعم النفسي والإحالة إلى أطباء نفسيين أو معالجين عند الحاجة. بالإضافة إلى تأمين أدوية للاضطرابات النفسية مجانا .

81/387219
WhatsApp
مستشفى الكرنتينا أو الصليب الأحمر في الشياح.
iocc.org
relief@iocc.org

 

مركز لمعالجة الادمان  لجميع الأعمار .كما تقديم الدعم النفسي والاجتماعي بشكل مجاني ما عدا فحوصات الإدمان والأدوية.

مركز للدعم النفسي-الاجتماعي داخل المستشفى.

 أطلقت مبادرة نحن حدك خدمة الخط الساخن لتقديم الدعم النفسي.أول 4 اتصالات هي مجانية(توجيه/دعم/تفريغ) أما المتابعة فكلفتها تتراوح بين 50 ألف و100 ألف ليرة لبنانية.

يقدم الدعم النفسي-الاجتماعي.

03/879189
التكلفة : 30 ألف ليرة لبنانية
info@zarifmc.com

هو منظمة غير حكومية  مكرسة للصحة النفسية في لبنان والمنطقة. وقد أنشأت عيادة مجانية في المركز الطبي الجامعي في مستشفى سانت جورج.

هي منظمة ملتزمة بتوفير الرعاية الصحية بعدالة. أسست خطًا ساخنًا مجانيًا بعد الانفجار.

منظمة أطباء بلا حدود ، هي منظمة إنسانية دولية تعمل في مناطق النزاع ومناطق الأمراض المتوطنة

يساهم الصحافي أحمد عابدين في تنظيم لقاءات عبر كلوب هاوس للاستشارات النفسية.

 

 مبادرة تأسست بعد إنفجار بيروت في الرابع من آب لتقديم الدعم النفسي-الإجتماعي.

 منظمة غير ربحية  تلبي الاحتياجات النفسية والغذائية اللبنانية من خلال توفير العلاج المجاني وخدمات التغذية عبر الإنترنت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى