جريدةمتابعات

أدوية الأمراض المستعصية مفقودة والمرضى يستغيثون: “حياتنا في خطر”

ما الحل؟ تسكت نجاة، مريضة سرطان ثدي، ثمّ تقول “أوقفت البحث عن الدواء لأن لا جدوى من ذلك والبنزين مفقود. لديّ جلسة غداً والإبرة غير متوفرة”.

لا أحد يعلم إلى متى.. وحده الحظ يلعب لعبته ويحدد مصير مرضى السرطان. فإما أن تجد الدواء وإما أن تنتظر موتك في بلد كل ما فيه مفقود. هذه الكلمات ليست من قصة أو من نسج الخيال إنّما من معاناة يعيشها يومياً مئات مرضى السرطان والأمراض المزمنة. فمسرحية انقطاع الدواء في لبنان من الصيدليات بدأ عرضها مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع سعر صرف الدولار، الأمر الذي أثّر على استيراد الأدوية. كما ودفع بالبعض الآخر إلى حجبها عن الناس طمعا بأرباح أكثر.

إمّا النصف أو الربع

في إحدى قرى صور، تحمل سارة يعقوب هاتفها وتسأل “فلان وعلان” لعلّ أحدهم يرشدها إلى مكان تجد فيها الإبرة .والتي وصفها لها الأطباء لمدة 6 سنوات، على أن تتلقى واحدة منها كل 28 يوماً. فإبرة “ديكابيبتبل” الأولى تمّ تأمينها من تركيا، ولكن ماذا عن الثانية والثالثة والرابعة..؟

الإبر والأدوية المعالجة لمرض السرطان ليست رفاهية عابرة يمكن الاستغناء عنها. إنّما حاجة ملحة يتوقف عليها مصير عائلة بأكملها قد تفقد روحاً عزيزة عليها، بسبب توقف العلاج أو تأخيره. تؤكّد الممرضة زينة أنّ تأخير العلاج إو إعطاء دواء بديل أقل فعالية يؤثر على نسبة الشفاء “كأنك عم تقولي للمريض روح موت”. موضحة أنّ علاج أغلب المرضى لم يتوقف كليا إنّما تقلّص إلى النصف أو الربع بحسب توفر الدواء.

الأمر لا يقف عند حدود الدواء، بل للعودة إلى علاجات أو بروتوكولات قديمة، كالعلاج الكيماوي الذي يعمل على قتل الخلايا السرطانية وقتل بعض كريات الدم البيضاء، مما يقلل من عمل الجهاز المناعي ويضعفه بشكل مؤقت حتى يتم إنتهاء العلاج. وفي السياق نفسه، كان الدكتور ناجي الصغير قد حذر من انقطاع الأدوية ومضاعفات العلاج الكيماوي.

الدواء بالدولار وإلاّ “مقطوع”

يكفي أن تضع “بوست” واحد على مواقع التواصل للسؤال عن انقطاع الدواء في لبنان، لتشتعل المنصات بالمئات مناشدين. الحال نفسه في جميع الصيدليات من أقصى الجنوب إلى اقصى الشمال، وصولاً إلى وزارة الصحة. فأكثر الأدوية انقطاعا هي الأدوية المناعية، وهو ما تؤكده تجربة الطفل نجيب الريس البالغ من العمر 3 سنوات.

بصوت مرتجف خائف على مصير قريبها، تتحدث نيفين الريس عن هذه التجربة. فالأخير مصاب بمرض 
يدعى “pompe disease”. وتتكفل وزارة الصحة بتأمين العلاج له كل شهر، من خلال إبرة تكلفتها 1000 $. لكن، مع انقطاع الدواء في لبنان توقف علاج الطفل، رغم البحث عنه في الخارج ومناشدات الأهل المتكررة للجمعيات. توقف العلاج يؤدي إلى الالتهاب في الدم، تضخم الكبد ومشاكل في القلب وصولاً إلى الموت.

على المقلب الآخر، تقول رنا ناصر الدين إنّ الدواء موجود في الصيدليات وهذا ما أثبتته التجربة. فهي التي جابت الصيدليات من أجل دواء ضغط ”concor”، ولم تجده حيث بقي مفقوداً مدة شهرين إلى أن رُفع الدعم عن الدواء. ثمّ وبسحر ساحر، صار الدواء موجوداً لكن بسعر أعلى. حيث تنقل رنا عن أحد الصيادلة أن الشركات رفضت تسليم بعض الأدوية على سعر 13 ألف ليرة للدولار الواحد، مطالبة بسعر صرف أعلى.

تروي رنا بأنّ شقيقتها سألت الصيدلية المحاذية لمنزلها عن دواء للقلب وآخر أنسولين، إلاّ أنّ الرد جاءها مباشرة “مفقود” حتّى أمنته من تركيا بالدولار الأميركي. بعد أيام قليلة التقت رنا بالصيدلي نفسه فأخبرته بأنّها أحضرت الدواء بالدولار، فقال لها بكل وقاحة: “ليش ما قلتي بدك تدفعي بالدولار، كنت دغري أمنتلك إياه”.

انقطاع الدواء في لبنان لم يتجاوز الخطوط الحمراء

 

انقطاع الدواء في لبنان.
انقطاع الدواء في لبنان.

للاستفسار عن انقطاع الدواء في لبنان، زارت “مناطق” مركز توزيع الأدوية في مستشفى الكرنتينا، فكان الرد من المسؤول بأنّه غير مخوّل للحديث عن هذا الموضوع وهو يحتاج إلى إذن من وزارة الصحة بذلك. مصادر خاصة داخل مركز الكرنتينا الحكومي، أكّدت أنّ 50 % من الأدوية مقطوعة والخمسين الأخرى يتم تأمينها من خلال الهبات والجهات المانحة. وأوضحت المصادر أن الاستعاضة عن الأدوية المفقودة يتم من خلال اللجوء إلى أدوية بديلة وهي ذات فعالية كبيرة.

عن المحسوبيات في إعطاء الأدوية ومنها معلومات تتحدث عن امرأة كانت تنتظر إبرة “فيدازا” لإمها المريضة ولم تحصل عليها، أجاب المصدر: “عيب هالحكي”، وأعطى مثالاً “عم يوصلنا عشرين علبة دوا، عم نعطيهم لأول 20 عم يجوا.”وذلك، من دون تقييم للحالة، فبحسب المصدر الجميع مرضى والجميع بحاجة.

موضوع انقطاع الدواء  في لبنان لمرضى الأمراض المستعصية والمزمنة لا يتعلق حصراً بوزارة الصحة، فهناك العديد من الجهات الضامنة لديها المعاناة نفسها وهي تعاونية موظفي الدولة والضمان الاجتماعي والمؤسسات العسكرية والأمنية. وفي هذا الإطار يوضح المصدر من أن الأعباء زادت على وزارة الصحة لجهة أعداد المستفيدين من تغطيتها الصحية. والسبب في ذلك ارتفاع حالات الصرف الكبيرة التي يشهدها قطاع العمل وعدم شمولهم من تغطية الضمان.

حول خطورة فقدان أدوية الأمراض المستعصية والمزمنة، وعما إذا كنا وصلنا إلى مرحلة الخطر في ذلك، أوضح المصدر أنه بالنسبة لتقديمات وزارة الصحة فإننا لم نتجاوز الخطوط الحمراء حتى الآن.

مبادرات فردية وإنسانية للمساندة

في معظم الأزمات التي نعيشها، تحل الجمعيات والمبادرات الفردية محل الدولة. وتعمل جاهدة على التخفيف من وطأة المعاناة والأزمة لأن الجميع في خندق واحد.

مارسيل ناصرالدين، واحدة من ناشطات كثر. بدأت بتوزيع الأدوية منذ سبعة أشهر من خلال تبادل الأدوية مع الأصدقاء والمحتاجين، والبحث عنها في الخارج وفي صيدليات إن وجدت. وذلك باعتماد الإعلان عبر واقع التواصل الإجتماعي.

تؤكّد ناصرالدين أن أكثر من نصف الأدوية مقطوعة أو ارتفع سعرها بما فيها تلك التي لم يُرفع الدعم عنها. تضيف أن أغلب الأدوية المقطوعة هي أدوية يحتاجها الناس كل يوم وكانت في السابق زهيدة الثمن وتم إخفاؤها من الصيدليات من أجل رفع سعرها.

مارسيل تتشارك مع مبادرة أسسها بعض الشبان من ضمنهم رفا ناصر أطلقوا عليها “همنا واحد“. المبادرة تعمل على تأمين الأدوية وجمع التبرعات لتغطية تكاليف علاج أحد الأشخاص.

من جهتها، تؤكّد رفا ناصر أنّ الوزارة لم تعد قادرة على تأمين أدوية مرضى السرطان وبالتالي هم يعملون قدر المستطاع على تأمينها وأدوية مرضى الأمراض المزمنة.

في السياق نفسه، تقدم جمعية “مروج المحبة الخيرية” أدوية مجانية أو شبه مجانية في مناطق الذوق، عين الرمانة، الدورة، الدكوانة والرويسات. وذلك ضمن إطار برنامج بالتعاون مع وزارة الصحة للأمراض المزمنة.

بالمحصلة، كما البنزين والمازوت كذلك الدواء، لا دواء مقطوع في لبنان إنّما أدوية تحجبها الشركات من أجل كسب أرباح أكثر، أو صيدلي يريد بيعها بدولار السوق السوداء، في ظل دولة تتعمد التخلي عن مسؤولياتها وترك مواطنيها فريسة لجشع التجار أمام كل أزمة تعترض اللبنانيين. فيا أيها اللبناني، إذا كنت لا تملك دولار أميركي فإنّك ستموت حتماً على أبواب الصيدليات.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى