أخبار

بطء في التحقيق وتقصير في تحمّـل المسؤولية

منذ وقوع الانفجار في 4 آب في مرفأ بيروت، يبدو التحقيق القضائي بطيئاً وناقصاً. ولم يظهر أن القضاء اللبناني وأجهزة الضابطة العدلية والجيش على قدر المسؤولية. إذ إن أداءهم لا يختلف كثيراً عن أداء المحققين خلال الأسبوع الاول الذي تبع هجوم 14 شباط 2005. 15 سنة من التراجع في المهنية والاحتراف… صُرفت خلالها عشرات ملايين الدولارات من أموال الناس لتطوير المؤسسات المعنية بالأمن والعدالة… ويبدو أنها ذهبت هباء

الانفجار الذي أدى الى قتل الغشرات وجرح الآلاف، والى تدمير جزء من العاصمة، يقتضي تحركاً سريعاً وجدياً وحاسماً للدولة، لا لأسباب تتعلق بواجباتها فحسب، بل للحفاظ على الحد الأدنى من العقد الاجتماعي المهترئ أصلاً.
العقد الاجتماعي هو الذي يحدد مكانة الدولة بالنسبة إلى الناس. وقد تبيّن منذ اللحظات الاولى لوقوع الانفجار، أن الرؤساء والوزراء والمديرين والقضاة والضباط في الدولة أسهموا، عن قصد أو لغياب الكفاءة والمعرفة والحس بالمسؤولية، في تدمير ما تبقى من هذا العقد. ولعل الأخطر هو الهامش الواسع الذي فتح، بفضل ذلك، للتدخل الأجنبي، وارتفاع نسبة التوترات الداخلية، وهرولة أتباع كل طائفة وملة الى أحضان زعمائهم بحثاً عن الأمان والاستقرار، وسعياً لخدمات أساسية عجزت الدولة عن تأمينها. ولا شك في أن الازمة الاقتصادية الحادة والإحباط الشعبي من أي مسعى لمكافحة الفساد وازدياد حالات الإصابة بفيروس كوفيد 19 وصعوبة تأمين الخدمات الطبية… فاقمت ذلك ورفعت مستوى القلق والتوتر العام.
بعد ثمانية أيام على الانفجار، لا بد من الإشارة الى ثلاث ملاحظات أساسية تتعلق بعجز الدولة:
أولاً، عجزت فرق البحث والإنقاذ عن العثور على كل الاشخاص المفقودين في المرفأ وفي المنطقة المحيطة به، رغم المساعدات الأجنبية. ولا تزال أمهات ينتظرن عودة أبنائهن. وصحيح أن السلطات جمعت الحمض النووي من ذوي المفقودين أخيراً والبحث عنهم بات أكثر جدية، غير أن هذا الجهد تأخر ولم يبدأ إلا بعد ثلاثة أيام على وقوع الانفجار.
ثانياً، إجراءات السلامة العامة وسلامة المباني والمنشآت في دائرة الدمار الواسعة التي أحدثها الانفجار غير كافية وبطيئة ومحدودة الفعالية. صحيح أن محافظ بيروت تحرك اخيراً في هذا الشأن، لكن تحركه جاء متأخراً، ولحسن الحظ لم ينهر بعض المباني المهددة خلال الأسبوع الفائت على المتطوعين وعمال الاغاثة والسكان. أما بالنسبة إلى جسر شارل حلو، فبقي سالكاً للمشاة في اليوم الاول الذي تبع الانفجار، ولم يصدر بيان قوى الامن الذي طمأن الى سلامته الا مساء ذلك اليوم، بعدما كان قد شهد زحمة من المواطنين والصحافيين.
ثالثاً، ضعف فاضح ونقص حاد في تواصل الدولة مع المواطنين والمواطنات، وفي تعميم الارشادات والبلاغات المتعلقة بالسلامة والأمن والإغاثة، رغم تولي ضباط في الجيش هذه المهام، ظناً أن ذلك قد يجعله أكثر فعالية وتنظيماً. ولم تظهر على شاشات التلفزيون وفي سائر وسائل الاعلام هيئة عليا تضم كل المسؤولين والمتخصصين في مجال الاغاثة والتعامل مع الكوارث لتقول للناس إن هناك دولة تتعامل بمسؤولية مع الكارثة.
الدولة، بكل مؤسساتها ورؤسائها ووزرائها ومديريها وضباطها وقضاتها، لم تثبت للناس حتى الآن أنها على قدر المسؤولية. هل يعود ذلك إلى ضعف في الإرادة أو إلى عدم المعرفة والنقص في الخبرة وضعف الامكانات، أم لوجود نيّات خبيثة لفتح الابواب للتدخل الأجنبي بحجة عجز
الدولة والقضاء اللبناني؟
في الأسابيع المقبلة قد ينكشف بعض الحقائق وقد تتبين الأسباب، أما اليوم فلا بد من التنبه إلى مجريات التحقيق والمنهجيات المعتمدة وإلى المرجع القانوني المخوّل إدارته والإشراف عليه والسير به حتى النهاية لاستعادة الحد الأدنى من ثقة الناس وحقوقهم. وللاستعراضات العسكرية والأمنية، وحتى القضائية، دور في استعادة الحد الأدنى من الثقة. فمثلاً، كان يمكن بعث بعض الأمل في نفوس الناس بالدولة لو شاهدوا آليات الجيش وهي تنقل مئات الأشخاص الى دوائر التحقيق القضائي للاستماع الى إفاداتهم (مع احترام قرينة البراءة طبعاً)، وظهور القاضي عبر الاعلام متوعّداً أي شخص، مهما علا شأنه، تثبت مسؤوليته، بالملاحقة القضائية السريعة والعقاب القاسي والعادل. لم يحصل ذلك قط.
القاعدة الاساسية التي تم إهمالها بوضوح هي أن التحقيق القضائي الجدي والسريع والمستقل والشامل والحاسم يدل على تحمّل الدولة مسؤولياتها. والخفة التي بدت واضحة في التحقيق خلال اليوم الاول الذي تبع الانفجار زادت من شكوك الناس في الدولة برمّتها، وأسهمت في مضاعفة الغضب الشعبي ضد الحكومة.
الأخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى