مواسم

بعلبك الهرمل والمعادلة المخصيّة: فحولة في الأمن وعذرية في الإنماء

حسين حمية

لم نفاجأ في “مناطق نت”، بالأمن العنيف الذي يجري تطبيقه في منطقة بعلبك، ففي 3 حزيران الماضي، وقبل ولادة الخطة الأمنية بأكثر من شهر، ومن دون الاستناد إلى اي مصدر كان أمنيا أو عسكريا أو سياسيا، توقعنا ما الذي سيحدث، وكان لنا مقالة نشرناها في ذلك اليوم تحت عنوان “الأمن الرحيم في بعلبك …انتهى”، لقد كانت كل الدلائل تشير إلى استخدام الأمن طلاء لإخفاء حقيقة المشكلة في المنطقة وتمويهها بألوان الجريمة والخروج على القانون.

في الدول العاجزة، أو التي تتبنى سياسات الانحياز الطبقية والمناطقية المولّدة للتوترات الاجتماعية والظواهر الإجرامية، تلجأ إلى الأمن العنفي لصنع استقرار ظاهري، وغالبا ما ترفض المجتمعات (مع أنها صاحبة مصلحة) هذا النوع من الأمن الثقيل والجارح، ففي البرازيل مثلا، تلقى خطة حاكم ريو دي جانيرو لقنص المجرمين وقتل أفراد العصابات عن بعد، رفضا عارما من المجتمع البرازيلي، مع أن البرازيليين هم الضحية الأولى لأعمال المجرمين والخارجين عن القانون، غير أنهم ليسوا بوارد منح تصريح مطلق ومفتوح بالقتل لأي مؤسسة كانت ولو هي مكلفة بتطبيق القانون.

لن نقول – إنما العالم كله يعلم – أن معدلات الجريمة في ريو دي جانيرو لا يمكن مقارنتها بالأعمال المخلّة بالقانون في منطقة بعلبك، فهي تفوقها بمئات الاضعاف، لا بل إن عصابات الجريمة في تلك المدينة دفعت حوالى ال 70% من سكانها البالغ عددهم أكثر من ستة ملايين ونصف المليون للتفكير بمغاردتها والعيش في مدن برازيلية أخرى، وعلى الرغم من ذلك كان هناك قناعة عند قادة هذه المدينة، أن مشكلة الجريمة عندهم سببها الكساد الاقتصادي وليس الأمن.

بعد مجزرة الحمودية التي ذهب ضحيتها 8 قتلى في تموز الماضي، سقط في مداهمات الجيش اليوم 4 قتلى من آل جعفر، بعد تبادل لإطلاق النار.

اللافت، هو تعامل بعض وسائل الإعلام مع هذا النوع من الأمن القاسي، بتبريره بنبذة إجرامية لبعض ضحايا المداهمات، وهي بأي حال لا تحلل دمهم، فهذا الاسلوب الإعلامي الركيك والخبيث، وإن كان ظاهرا بمثابة دعم للمؤسسة العسكرية ودغدغة لطلب المواطنين في تحقيق الامن والأمان في ربوعهم، إلا أنه ضمنا ينطوي على أهداف أخرى، وهي إسناد سياسات الإنكار التي تتبعها السلطة مع المنطقة وخصوصا ضلعها الشيعي المتمثل بحزب الله وأمل، التي لا تعترف بأن الضائقة الاقتصادية للبعلبكيين هي المطلوب الأول وأبو كل المطلوبين في طول المنطقة وعرضها.

لا أحد سأل، لماذا مطلوبو بعلبك رفضوا تسليم أنفسهم وتسوية أوضاعهم على الرغم من حديث “التسهيلات” التي تعهد بها مسؤولون كبار في الدولة، وآخرهم كان محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر. يجب إعادة السؤال بصوت عال، لماذا رفضوا مثل هذا العرض المغري؟ مع أنه يقيهم من المطاردة والتخفي ويبعد عنهم أخطار الموت قتلا، ويمنحهم فرصة أخرى للعودة إلى حياة عادية. لكن المشكلة كما يبدو هي في هذه الحياة العادية.

يمكن تفهم تفكبر حاكم ريو دي جانيرو في قتل المجرمين لحظة مصادفتهم ودون سوقهم إلى أقواس العدالة، فرساميل مدينته التي تبلغ عشرات مليارات الدولارات، تحتاج إلى مناخ آمن لتتحرك في الجيوب والمصارف أو لتعرض سلعها الباهظة الاثمان في المحال والأسواق الهائلة، لكن ماذا موجود في منطقة بعلبك ليكون مثل هذا الأمن؟

وما يجب التأكيد عليه، هو أن اقتصاد الجريمة والخروج على القانون في المنطقة، يلعب دورا في التخفيف من الضائقة المعيشية على الأهالي، فإضافة إلى استيعابه قسم من العاطلين عن العمل، فإنه يوفر ايضا مداخيل لعائلات تعتاش منه مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، وأي خطة أمنية لم ترفق بتوفير بدائل عن مثل هذه الاقتصاد، أو بمشاريع إنمائية توفر فرص عمل جديدة لشباب المنطقة، مصيرها الصدام مع المتضررين، ولن تكون فيه الغلبة للأمن، إنما لتعقيد المشكلة وتخريج أفواج جديدة من المجرمين أشد باسا في مواجهة أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية.

ما يحدث في منطقة بعلبك الهرمل هو نصف خطة أمنية، النصف الآخر هو مسؤولية السلطة وأحزابها، ففحولة الأمن لا تفيد في ظل عذرية الإنماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى