متابعات

بين كسرة خبز الطبش وربطة خبز إبن طرابلس !؟
زهير دبس

بين «كسرة الخبز» التي كانت على وشك أن تتناولها النائب رولا الطبش وبين ربطة الخبز التي أودت بإبن طرابلس إلى السجن مفارقة عجيبة بطلها الخبز بامتياز. الأولى مرمزة دينياً حُرمت من تناولها الطبش في الكنيسة حيث أشعلت جدالاً انتشر كالنار في الهشيم على مواقع التواصل، والثانية حُرم منها ذلك المواطن الطرابلسي فخرج إلى الشارع سارقاً تلك «الكسرة» حيث قادته إلى السجن، في واقعة درامية أشعلت مواقع التواصل أيضاً وأدّت إلى نهاية سعيدة للرجل، حيث دفع القاضي الذي مثل أمامه المتهم جزءاً من كفالته المالية ليخرج من السجن.
الطبش لم تخرج من الكنيسة كما خرج إبن طرابلس من السجن، فالنائبة خرجت مهشّمة بانتقادات عنيفة لم يشفع لها انتماؤها لتيار المستقبل الذي يدعي التنوع بالنجاة منها، فرشقها المستقبليون قبل سواهم معتبرين أن تصرفها كنائبة سنية غير مبرر، وما قامت به لا يمثل إلا نفسها
بين «كسرة خبز» الطبش و«ربطة خبز» إبن طرابلس الكثير من الرمزيات والتقاطعات، فالأولى وقف الدين حاجزاً بينهما والثانية وقف الجوع، وبين الاثنتين يضيع اللبنانيون في تحديد أولوياتهم، وأيهما يجب أن تحتل الصدارة والاهتمام. فكسرة خبز الطبش أدّت إلى اهتزاز عقد التعايش الهجين وربطة خبز إبن طرابلس لم تستطع أن تغيّر من مفاهيم ذلك التعايش بعد.
ويبدو أن تناول النائب الطبش للقربان في الكنيسة كان تناولاً للعيش المشترك أكثر منه تناولاً لكسرة خبز، فذلك العيش الذي نتغنى به ليل نهار ونعتبره أيقونة لبنان اهتز على وقع ذلك التناول والمفارقة أن طقوسه لم تكتمل حتى النهاية، ولم يتحمل تناول كسرة خبز حيث اشتعلت مواقع التواصل انتقاداً وتقريعاً بالنائبة جراء تصرفها في الكنيسة. وبعيداً عن البعد الرمزي الديني المكثّف لتلك الكسرة والتي أثارت حفيظة جمهور واسع احتجاجاً على ذلك، هل هذا الجمهور يتحرك ويشعر بالحرج عند رؤية أطفال مشردين يفتشون بين القمامة عن كسرة خبز ملوثة يأكلونها، وهل هذا الجمهور يرى عيباً في ذلك ويتحرّك!
لقد كسرت كسرة الخبز تلك التي كانت النائب الطبش على أهبة تناولها واستدرك الكاهن بوضع الكأس على رأسها زيف وأكذوبة العيش المشترك، وبيّنت بشكل فاضح «صوريتها» و«كليشيتها» والتي لا تجد لها مكاناً سوى تحت الكاميرات وبين الأضواء البراقة وخلف المنابر، وبيّنت أيضاً أن التعصب الديني المتجذّر عميقاً في النفوس يتقدّم على ما عداه، فالأولوية بالنسبة لهؤلاء ليست كسرة الخبز التي تعني لقمة العيش بل كسرة الخبز بمفهومها الديني التي تشطر الناس وتشظيهم إلى مذاهب وجماعات متناحرة، يهملون معها ويتناسون لهاثهم اليومي في التفتيش عن كسرة خبز نظيفة يسعون وراءها ولا يجدونها سوى بصعوبة والذي يحول بينهم وبينها هذا النظام الطائفي الذي يبني ركائزه على كسرة خبز من هنا وشربة ماء من هناك.
ليس دفاعاً عن النائب الطبش أو انتقاصاً من الطقوس والشعائر الدينية بل تصويباً لما تكتنزه تلك الواقعة في بعدها العميق من دلائل، أقل ما يبشر فيها أننا لا زلنا نبتعد مسافات طويلة عن فكرة المواطنة وقبول الآخر وأهمية التنوع وغناه، وأننا لا زلنا نعيش ضمن خطوط خفية مرسومة تحدد مساراتنا، ظاهرها كسرة خبز وبواطنها انقسام عمودي يحيل مجتمعاتنا إلى جماعات منقسمة على نفسها تفرقها كسرة خبز ولا تجمعها لقمة العيش.
لم يشفع للنائب الطبش توضيحها واستغرابها إذ قالت «لست اول شخص مسلم يدخل الكنيسة ولن أكون الأخيرة». لكن الأمر الذي لم تعرفه الطبش أن ما قامت به يتعدى البعد الديني لتصرفها والذي نتغنى أنه يقوم على مبدأ التسامح وتقبُّل الآخر، وما لم تعرفه الطبش أيضاً وبالرغم من أنها قالت «إن احترام الطقوس وعادات الغير لا تلغي الإيمان الداخلي، ولا تجعل المسلم كافراً» أننا نعيش في مجتمعات يرتفع فيها منسوب التعصب وينخفض فيها منسوب الإيمان.
ما لم تتناوله الطبش في الكنيسة يفتش عنه الكثير من اللبنانيون خارجها، ويبدو أن ما أثير على مواقع التواصل يُؤشّر إلى أن مسافة طويلة تفصلهم عن أن الذي يجب أن يجمعهم هو «كسرة خبز».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى