متابعات

ترامب..ليس كل شيء على مايرام في الطريق إلى طهران

حسين حمية

لو استثينا الإعلام الخليجي وملحقاته في العالم العربي حيث لا حدود وفواصل بين الرغبات والحقائق، هناك شكوك كبيرة في العالم بقدرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إسقاط النظام الإيراني، علما أن ترامب نفسه لم يضع مثل هذا الهدف سواء عند إعلان خروجه من الاتفاق النووي أو لدى وضع استراتيجيته لمكافحة النفوذ الإقليمي لإيران عبر الشروط ال 12 التي أعلنها وزير خارجيته مايك بومبيو لعودة إيران عضوا طبيعيا في المجتمع الدولي، فهدف واشنطن المعلن هو الوصول لاتفاق جديد مع طهران يتم فيه تلافي ما تعتبره إدارة ترامب عيوبا في الاتفاق النووي الذي ابرمته إدارة أوباما مع إيران.

قد تكون الإدارة الأميركية راهنت خلال الفترة الفاصلة ما بين أيار الماضي وآب الحالي على وساطات دولية تشجع الإيرانيين على الأخذ بالتحفظات الأميركية على بنود معينة في الاتفاق النووي، لكن أقصى ما وصل إليه الأوروبيون هو إقناع إيران بعدم الانسحاب من الاتفاق لقاء ضمانات معينة. وعليه، مع هذا الشهر ستبدأ واشنطن وضع تهديداتها موضع التنفيذ بطريقة تدريجية لتطويع القيادة الإيرانية.

تدرك واشنطن أن إجبار طهران على الإذعان لطلباتها ستكون عملية كأداء وشديدة الصعوبة، وإذا كانت تراهن على الضغوط الاقتصادية بالعقوبات والحصار لزعزعة ركائز النظام من الداخل، إلا أن هذا الرهان ليس آحاديا وقد لا يؤتي بأُكله خلال مدة قصيرة، على اعتبار أن لدى إيران القدرة على الصمود وتحمل تبعات الخنق الاقتصادي لها لفترة انتهاء ولاية ترامب الرئاسية، على أمل بناء تفاهمات أفضل مع القادم الجديد للبيت الأبيض.

لقد استوعبت إدارة ترامب أن طهران لا تؤخذ بالتهديدات، وهناك حظوظ كبيرة أن تلتف على عقوباتها الاقتصادية، لذا لن تكتفي واشنطن بسلاح العقوبات، فهناك تسريبات عن استعدادات أميركية لشن عمليات سيبرانية ضد البنية التحتية النووية لإيران، إضاقة إلى القيام بعمليات تخريبية في الداخل الإيراني والتهديد باجتياح عسكري.

بدأت بصمات هذه الاستراتيجية الأميركية تظهر على الداخل الإيراني، فهناك محطات تلفزة وإذاعات ومواقع ألكترونية وحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، كلها باللغة الفارسية، ووظيفتها إثارة الاحتجاجات الشعبية ضد الحكومة الإيرانية على خلفية تدني مستويات المعيشة وهبوط سعر صرف العملة الوطنية وفقدان السلع الضرورية من الأسواق، كما يجري الإعداد لعمليات أمنية وعسكرية في إيران، وذلك بتمويل سعودي للمعارضين الإيرانيين من عرب الأهواز و”جنود الله” وحركة “بيجاك” الكردية.

لكن مع هذا، هناك صعوبات كبيرة أمام خطة واشنطن، فالاستراتيجية الأميركية لتصفير (من صفر) تصدير النفط الإيراني قد فشلت، في ظل عدم التزام كل من الصين والهند وروسيا والاتحاد الأوربي بها، وهذا يمنح إيران الاستمرار بتصدير نصف نفطها بأسوأ الحالات. أضف أن دولا عديدة، أبدت استعدادها لاحترام العقوبات الأميركية، لكن بالوقت نفسه تطالب واشنطن بتعويض خسائرها مقابل التزامها، واوضح مثال هو موقف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الذي يرفض تحميل بلاده فاتورة التقيد بالعقوبات الأميركية والتخلي عن الغاز النفط الإيراني الرخيص، كما ليس لدى أميركا مثل هذه الإمكانيات للتعويض، خصوصا أنها في ظل إدارة شعارها إقبض ولا تدفع، وهذا سيؤدي إلى بروز ثقوب كثيرة في جدار العقوبات الأميركي.

من جهة أخرى، حتى الآن لم تحصد السعودية من تمويلها للجماعات “المتمردة” في إيران إلا على عمليات أمنية وعسكرية شديدة التواضع، وإذا كان تعويلها الاساسي على المعارضين الأكراد، غير أن إيران يمكنها قطع الطريق عليها، بتعاونها الوثيق مع حزب العمال الكردستاني القادر على تقييد النشاط العسكري ل”بيجاك” ضد إيران، كذلك لم تنجح السعودية في تحريك عرب الأهواز وحملهم على تنظيم عصيان بوجه حكومة طهران.

ولو تزايدت وتيرة التظاهرات والاحتجاجات في المدن الإيرانية، لكن من الخطأ الاعتقاد أن هذه الاضطرابات تصب في مجرى الخطة الأميركية، فلغاية الآن لم يضرب الحرس الثوري الإيراني بعصاه الغليظة، لا بل تثير “رأفته” المستجدة حيال المتظاهرين الشكوك من أن رجاله هم وراء تحريك الشارع من خلف الستارة،  من أجل تهيئة المناخ المناسب للانقضاض على الدولة ومؤسساتها وإخراج ما يسمى بالمعتدلين من الحكم.

ما زال من المبكر الحكم على ما يجري في إيران، لكن من المؤكد أن لعبة الصراع هناك ستأخذ وقتها، في حين أن الأوراق المستورة ستأخذ بالظهور تباعا، ليس في إيران وحدها، إنما في المنطقة كلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى