انتخابات

انتخابات رابطة الثانوي بين تشرذم “المعارضة” وخلافات قوى السلطة

يحين موعد انتخابات رابطة التعليم الثانوي (تأجلت حتى 30 من الشهر الحالي) في ظلّ ظروف استثنائية على الصعيدين الذاتي والموضوعي. فهذه الانتخابات ستُعقد عقب تمديد “لاشرعي” فرضته الهيئة الإدارية الممثّلة للمكاتب التربوية لأحزاب السّلطة، بعد تعديلها التعسّفي للمادة 20من النظام الداخلي. هذا التمديد المفروض بقوّة الأمر الواقع السياسي- السلطوي (الذي يختلف أقطابه حول قضايا الأمم الطائعين لها، ويلتئمون متحالفين ضد حقوق الناس) كان كفيلًا بتشويه قيم العمل النقابي وتحريف الفهم حول جدواه، وفاعليّته وضرورته ووظيفته الديموقراطية، عدا عن المواقف السافرة والانكشاف الحاسم لتموضع الهيئة الإدارية بجانب أحزاب النظام السياسي الطائفي.

لقد قامت هذه الهيئة بالنيابة عن السلطة بمصادرة آراء الأساتذة وبخنق أصواتهم وبالالتفاف حول مواقفهم وبقمع خياراتهم، بل وكانت عين السلطة ويدها التي عاثت فسادًا بالرابطة التي هي إطار المعلّمين حيث يلتجئون إليه للمطالبة بحقوقهم المادية والمعنوية، فباتوا مع الأداء النقابوي لتابعي الأحزاب بلا مأوى، الأمر الذي ألحق أعطابًا بنيوية عميقة برابطة التعليم الثانوي. هذه الأخيرة كانت لسنوات خلت رافعة للعمل النقابي في لبنان، وربّما ما تتعرّض له من انتهاك وتهشيم هو اقتصاص من ريادتها المطلبية التي تأوجّت في أيار 2014 مع هيئة التنسيق النقابية قبل أن تتشلّع هي الأخرى بفعل اختراقات السلطة لنسيجها وشرذمتها وتحويلها إلى هيكل نقابي صوري لا فعالية له.

هذه التعرية والانكشاف النقابيين جرّدا الأساتذة الثانويين من أداتهم المطلبية. حيث نتج عن هذا التحوّل آثار سلبية تفاقمت مع الأزمة الاقتصادية التي ضربت بقساوة موظفّي القطاع العام، فهوت القيمة الشرائية لرواتبهم وتضاءلت، ليجد الأساتذة مصيرهم ومستقبلهم الوظيفي في مهبّ المجهول. تبدي المنظومة الحاكمة بالمقابل تعاطيًا عبثيًا موجَّها بمنطق التعامي عن الكارثة المصيرية الزاحفة نحو الأساتذة والمعلّمين، محاولة تطويق تبعاتها عبر نهجها الموغل في التدجين والترويض والتعويد، فترمي مساعداتها الضحلة تارة وتمسكها تارة أخرى، مسقطة من موازنة عام 2022 أية مبادرة لتصحيح الرواتب والأجور، ما يعني انسداد الأفق الذي لا يلوح فيه إلا الذعر والقلق من التسرّب الوظيفي لمن استطاع إليه سبيلا، أو التسوّل الصحّي والمعيشي لمن ارتضى لنفسه اختيار البقاء في الوظيفة العامّة التي باتت عرضة لتغييرات بنيوية تطيح بمفهومها ومكانتها بالنسبة للدولة وللمواطن معًا.

أحزاب السلطة.. كلهن يعني كلهن

تحت وطأة حملة الانقضاض الشرسة والعدوانية الرامية إلى الإجهاز على حقوق الأساتذة في التعليم الرسمي (وعلى التعليم الرسمي برمّته)، يتطلّع الأساتذة الثانويون إلى انتخابات رابطتهم آملين أن يستردّوها ليستعيدوا بها حقوقهم الضائعة، راجين أن تكون المسؤولية النقابية التي تضطلع بها الهيئة الإدارية المنتخبة على مستوى أزماتهم المتشعّبة التي يتلمّسون تأثيراتها الفادحة يومًا بعد يوم.

لكن، كيف تبدو التحضيرات عشيّة انتخابات الرابطة التي يشارك فيها حوالى 575 مندوبًا، وما هي الأجواء التي تسود تلك التحضيرات؟

كعادتها، توجّه أحزاب السلطة جهودها لتوحيد لائحتها وتذليل خلافاتها حول الحصص، واقتسام الروابط فيما بينها، ولذلك فهي تؤجّل الانتخابات في كل مرّة ريثما تسوّي أمورها. الخلاف قائم بين كلّ من حزب الله والتيار الوطني الحر من جهة، واللذان يلّوحان بتشكيل لائحة منفردة للضغط على الأفرقاء الآخرين؛ مستقبل- اشتراكي- حركة أمل من جهة أخرى. لكنّ خلافاتهم تذهب كالعادة نحو الحل وتسوية النزاعات القائمة حول رئاسة الرابطة التي يطالب بها المستقبل، باعتبار أن رابطة الابتدائي هي حصّة الشيعة، ونقابة التعليم الخاص للمسيحي، فلا يستقيم تقسيم المغانم إلا بأن يكون للسنّة حصّتهم أيضًا. والعراقيل الأخرى التي أعاقت إتمام لائحة أحزاب السلطة هو مطالبة التيار الوطني الحر بحصّة حزب القوات الذي آثر الحياد، باعتباره صار كما يدّعي في الموقع المعارض للسلطة.

قوى المعارضة.. نهج استئثار لا نهج نقابي

على الجهة المقابلة، تسعى من تطرح نفسها “قوى اعتراضية مستقلّة” إلى صياغة لائحة تضمّ نقابيين مستقلّين، يجتمعون تحت عناوين عريضة تتلخّص باثنين؛ الأوّل مواجهة قوى السلطة، والثاني هو تغليب العمل والمصلحة النقابيين كأوليتين تتغلّبان على أية اعتبارات أخرى. تحت هذه الشعارات العامة التي افتقدت إلى البرنامج والخطّة العملانية، اجتمع كلّ من الجماعة الإسلامية، الحزب الشيوعي اللبناني ممثّلًا بالتيار النقابي المستقل، لجان الأقضية (معظمهم دخل إلى ملاك التعليم الثانوي عام 2016)، لقاء النقابيين الثانويين، ومجموعة من الأساتذة المستقلين المنفردين الذين يشكّلون حالة حضور نقابي انتزعوها من خلال مواقفهم ومعاركهم التي خاضوها ضد أحزاب السلطة، فكسبوا ثقة الأساتذة عبر مصداقيتهم النقابية وصاروا مندوبين في ثانوياتهم.

لم يكن التوافق هو مصير المباحثات التي أجرتها هذه الأقطاب، فلقد أعلن البارحة عن “لائحة قوى التغيير النقابية” التي غلب عليها حضور الحزب الشيوعي، ولم يتمثّل فيها كلّ من لقاء النقابيين الثانويين والأساتذة المنفردين المستقلّين، وذلك بعد أن أعلنوا انسحابهم من المفاوضات اعتراضًا على المعايير التي حكمت تشكيل اللائحة حيث تمّ اختيار المرشحين وفقًا لمنطق تقاسم الحصص والتوزيعين المناطقي والطائفي، وهو المنطق نفسه الذي يوجّه خيارات “قوى السلطة” في انتقاء مرشّحيها!
حقيقة المفاوضات

يقول الأستاذ فراس حريري وهو مستقل لا ينضوي في أي تشكيل نقابي لـ “مناطق نت” إن “الذهنية” هي ذاتها التي سادت في اللقاءات مع “القوى الاعتراضية”، والتي برأيه قدّمت نموذجًا سلطويًا في فرض الحضور وإتباع الآخرين لها والاستئثار والمحاصصة وعرض الأحجام المضخّمة لعدد مندوبيها”. فانتفى مع هذا المنحى الذي أدارته عقلية حزبية أي معيار نقابي يختار المرشّح وفقًا لأهليته وجدارته النقابية. وعزا حريري فشل المفاوضات إلى تصادم ذهنيتين متناقضتين، ذهنية مطابقة لأحزاب السلطة وأخرى ترتئي أنّ هذه المرحلة تتطلّب أساتذة نقابيين يمتلكون صلابة في الموقف والمواجهة، وممثّلين حقيقيين للأساتذة ولهمومهم، وليسوا امتدادًا لأحزابهم حتى ولو أنها خارج السلطة، وهو يقصد هنا الجماعة الإسلامية والحزب الشيوعي. فالموجّه السياسي هو الطاغي لدى هاتين الجهتين اللتين تخوضان الانتخابات وفقًا لحسابات ومصالح سياسية بحتة.

ويوضح حريري أنه كان يمكن لبعض المندوبين الحزبيين غير الراضين عن تدخّلات أحزابهم في العمل النقابي، أن يختاروا نقابيين أكفياء يمثّلون مصالحهم، ولكن “المعارضة قدّمت نموذجًا مكرّرًا ومحاكيًا لاستئثار أحزاب السلطة”، متلطّية وراء شعارات الاستقلالية النقابية”، مستغلّة توق الأساتذة وحاجتهم للوصول إلى رابطة منفصلة عن السلطة، ولكنّها لم تحقّق في الواقع سوى مكاسب ومغانم لها على المستوى السياسي، وبالتالي فالعمل النقابي في المشهد الانتخابي الحالي هو نموذج مكرر عن الانتخابات النيابية، بحيث تتجاذبه قوّتان تمتلكان الذهنية نفسها في الاستئثار والغلبة التمثيلية، وتسقطان مبادئ العمل النقابي الحقيقي. لذا فإنّ الأساتذة الثانويين مطالبون في المرحلة المقبلة “بإجراء عملية استئصال للمكونات السلطوية الحزبية أيًا كانت وجهتها حتى تلك المحتكرة للمعارضة، والتي تدّعي أنها تنطق بلسان الأساتذة”.

معارضة بقياس أحزاب

من جهته يوافق الأستاذ موريس غضبان على ما أورده زميله فراس. فالمفاوضات لم تكن شفافة منذ البداية بين أقطاب المعارضة، فمن فاوض باسم الأساتذة هم إما متقاعدون أو أساتذة غير مندوبين وغير مرشحين، وإنما هم بمثابة مكاتب تربوية للأحزاب التي تدّعي المعارضة. ولقد غلّب هؤلاء الرغبة التحاصصية بكل أنواعها؛ طائفية ومناطقية وحزبية، واستبعدوا رموزًا نقابية مرموقة تحت حجة أنها لا تحوز على قوّة وازنة من المندوبين! غضبان قال لـ “مناطق نت” إن وضع المعارضة ليس على ما يرام وهي ليست مطلقًا بحجم طموحات الأساتذة ولا ترقى لمستوى المواجهة المطلوبة في المرحلة المقبلة.

في ظلّ حالة اللارضى التي تسود أجواء الأساتذة عن لائحة المعارضة التي أقصت أسماء نقابية لامعة، يتمّ السعي إلى تحضير لائحة معارِضة أخرى، وبالتالي فإنّ الشرذمة والتشتّت سيكونان المصير الذي ستلقاه جهات الاعتراض كافة، الذي على ما يبدو أنّه لا يكفي أن يسمّي بعضها نفسه مواجِهًا لأحزاب السلطة، حتى يكتسب مصداقية وشرعية التمثيل النقابي الصحيح والمبدئي. في خضم هذا المشهد الانقسامي، فإنّ الرابح الأكبر هو السلطة ومكاتبها التربوية، والخاسر الأكبر هو التعليم الثانوي ورابطته وأساتذته!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى