متابعات

تشكيل الحكومة وحكاية لبنان مع الرقم 3

زهير دبس

يبدو أن رحلة اللبنانيين مع الرقم ٣ (ثلاثة) ومشتقاته وتفريعاته رحلة شاقة ومعقدة، فمعظم المفاصل الأساسية في الحياة السياسية اللبنانية تعتمد على هذا الرقم قسمةً وتوزيعاً وتحاصصاً ومعاييراً، بدءاً من قاعدة الحكم التي ترتكز وتتوزع على الرؤساء الثلاثة (الجمهورية ومجلس النواب والحكومة) مروراً بعدد أعضاء الحكومة التي أصبحت عرفاً ثلاثينية وصولاً إلى لؤلؤة البيان الوزاري و«بيضة القبان» فيه وهي ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة. ولا تنتهي حكاية اللبنانيين والحياة السياسية فيه مع الرقم (3) مع هذه المفارقات المثلثة التي ترسّخت عميقاً بعد اتفاق الطائف، فتاريخ نشوء الكيان والذي قام على الشراكة الثنائية الإسلامية المسيحية، تقضُّ مضجع هذه الشراكة عبارة «المثالثة» في الحكم التي تطل برأسها من وقت لآخر.
ولا ننسى في منتصف الثمانينيات «الاتفاق الثلاثي» الذي شكّل حدثاً مفصلياً في مسيرة الأحداث اللبنانية وكان الرقم (3) نجمه بامتياز.
بعد اغتيال الرئيس الحريري في شباط من العام 2005 شكل الرقم (3) من خلال «الثلث المعطّل» عقدة العقد في تشكيل الحكومات وأصبح القاعدة الأساسية التي تختبئ خلفه جميع الحسابات السياسية، فتدخل عملية التأليف دهاليز الحسابات الداخلية والإقليمية والدولية وصولاً إلى نتيجة واحدة وهي من يملك حق الفيتو داخل المجلس وبالتالي من يمسك بقراره.
أصبح «الثلث المعطل» لبُّ الموضوع في عملية التأليف الحكومي، فتارةً يستند إلى الوزير «الملك» الذي بيده «فرط» الحكومة في حال قرّر مكوِّن منها الانسحاب منها أو يشكل ضمانة للاستمرار فيها في حال امتنع عن ذلك. والأمثلة كثيرة في حكومات ما بعد الـ 2005 وخصوصاً في الحكومات التي شكلها الرئيسين فؤاد السنيورة وسعد الحريري.
اليوم مع اشتداد العقد في عملية التأليف الحكومي بعد خمسة أشهر على تكليف الحريري، يبدو «الثلث المعطل» هو بيت القصيد في عملية التأليف، وهو الذي يبدو «القطبة المخفية» التي تختبئ خلف تلك العقد. فالنزاع حول الحصص والذي يبدو بظاهره خلاف حول أحقية هذا الطرف أو ذاك بتلك الحقيبة أو غيرها، باطنه هو الخلاف على «الثلث المعطل» الذي من خلاله سيتحكم الطرف الذي يمسكه بقرارات الحكومة التي تشير جميع المؤشرات إلى أنها ستعيش لمدة أربع سنوات وهي ولاية مجلس النواب التي تنتهي في 20 أيار 2022.
الساعات المقبلة هي حاسمة في موضوع تشكيل الحكومة، ومع مشاركة القوات فيها، يُطرح السؤال أي شكل للحكومة سيكون وبيد من سيكون «الثلث المعطل» الذي تلعب الموازين الإقليمية دوراً مؤثراً فيه. وهل نحن أمام حكومة تشبه سفينة يقودها ربانان أو أكثر، كل واحد من هؤلاء يسير بها وفق الرياح بما لا يشتهيها الطرف الآخر.
حكاية اللبنانيين مع الرقم (٣) سيئة، إذ لم يكن يوماً فأل خير عليهم، وكيفما حاولوا التخلص منه، يعود فيبرز لهم، ومع أنهم تجاوزوه وشكلّوا حكومة ال 30 وزيرا، إلا أن هذا الرقم عاد وقسّم الحكومة إلى 3 عشرات، الأولى للثنائي الشيعي والثانية للحريري والثالثة لرئيس الجمهورية، عشرتان متحركتان والأخيرة ثابته. ويبدو أن الرقم 3 سيستمر طويلاً في ظل الظروف والتطورات الإقليمية والدولية المعقدة التي تحيط ببلدهم، فمتى يبزغ فجر الرقم (١) الذي يكون معياراً في تشكُّل الحياة السياسية وهي تغليب المصلحة العامة على كل شيء حيث تنتفي معه وتُلغى جميع الأرقام القابلة للقسمة والتحاصص على حساب تلك المصلحة.
يبدو أن المسافة الفاصلة بين الرقمين (٣) و(١) طويلة وشائكة ولا تبدو كل المؤشرات والدلائل بأنها ستتقلص في المدى المنظور، ومعه ليس أمام اللبنانيين سوى الانتظار والدعاء، فيبدو الطريق إلى الرقم واحد طويل وصعب المنال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى