رصد-قديم

تمويل الإعمار في سوريا مقابل الجولان

حسين حمية

تُظهر التطورات والتبدلات العسكرية والسياسية في سوريا، تراجعا كبيرا في الأعمال القتالية واتساعا في رقعة الهدوء وتزايدا في سيطرة الحكومة السورية على أراضيها، لكن لا يعني هذا، إحلال السلام في هذا البلد، فما زال تضارب المصالح بين الدول المنخرطة في الحرب السورية – الدولية، يقف عائقا أمام تركيب تسوية سياسية تضم الجميع وترعى مصالحهم وتكون بالوقت ذاته تعويضا عن استثماراتهم الحربية والأمنية هناك.

لكل في سوريا حساباته وأطماعه، روسيا تريد الاستقرار وبيئة آمنة لنفوذها العسكري والسياسي، وإيران لن تقبل بحلول تكون على قدر “تضحياتها وخسائرها”، وواشنطن يكفيها إخراج إيران، وتركيا تبحث عن ضمانات لوأد الأحلام الكردية الانفصالية، وإسرائيل لا يشغلها سوى منع التواجد العسكري لطهران وحلفائها من التنظيمات الشيعية، في حين دمشق تبقى أولوياتها في توفير الأموال اللازمة لإعادة الإعمار الذي يشكل الركن الأساسي لعودة “سوريا الدولة المعافية”.

ولو أن هذه الأطراف قادرة على تبادل ممارسة الضغوط فيما بينها، إلا أنها تبدي ممانعة شديدة في تقديم التنازلات للإسراع في وقف مأساة الشعب السوري ووضع حد لآلامه التي طالت فوق طاقة احتماله، وبالوقت نفسه عجزت القوى الفاعلة إن في موسكو أو في واشنطن عن ابتداع مخرج تطمئن له سائر الأطراف، مع أن التوتر الإسرائيلي الإيراني منفتح على كل الخيارات الخطرة بما فيها انزلاقه إلى حرب شاملة.

وباستناد إسرائيل إلى صداقتها مع موسكو وتحالفها مع واشنطن، تحاول الإفادة من المأزق الدولي في سوريا، واستثمار تعقيداته لإنتاج تسوية في سوريا تستجيب لكل المخاوف الإسرائيلية على المديات القريبة والبعيدة وتحقق لها فائضا في الضمانات الأمنية كانت قد عجزت عن حصادها بالتهديدات والحروب.

كان معهد واشنطن قد نشر مؤخرا ورقة للعقيد الاحتياطي أوري هالبيرين الذي خدم 33 عاما في الجيش الإسرائيلي، توضح الرؤية الإسرائيلية للحل في سوريا، وسعي تل ابيب إلى إدارته وتوجيهه بما يخدم مصالح الدولة العبرية، كما تكشف محاولات إسرائيل توظيف الابتزاز الغربي لمحور استانا ودمشق بتمويل إعادة الإعمار، لغير ما يزعم الغرب عن ربطه بإصلاحات دستورية توسع قاعدة المشاركة في الحكم، إنما لأهداف تخص الدولة العبرية.

يحض هالبيرين على الاشتغال على تضارب مصالح إيران مع حليفيها الروسي والسوري، ويقول “قد تجعل التوترات الإسرائيلية-الإيرانية عدد كبير من الأطراف المنخرطة في النزاع الإسرائيلي-السوري أكثر استعدادًا للتفاوض عن طريق أطراف ثالثة. فنجاح ترامب في دعم محادثات السلام في شبه الجزيرة الكورية وصدّه القوي لإيران ينبئان كلاهما بمبادرة رئاسية معنية بخطة سلام إسرائيلية-سورية ستتضمن أيضًا مفاوضات مع حكام متسلطين لتحقيق هدف جيوستراتيجي أوسع”.

ويضيف “فقد انخرطت روسيا في النزاع السوري بهدف حماية أصولها الاستراتيجية وإعادة فرض مكانتها المفقودة منذ وقت طويل في المنطقة من خلال تحدي الولايات المتحدة وحشد شعبها حول بوتين بعد ضم شبه جزيرة القرم. وفي المرحلة القادمة، يرجَح أن تبدي روسيا اهتمامًا بتدبير سياسي من شأنه التخفيف من اندفاع السنّة لمواصلة القتال وتوفير شرعية دولية لوجودها العسكري الطويل الأمد في سوريا والتخفيف من العبء الاقتصادي لمشاركتها في الحرب السورية، وربما التخفيف من العقوبات الغربية المفروضة على روسيا”.

ثم يصل هالبيرين إلى بيت القصيد في جعل مشاريع الإدارة الأميركية على صعيد المنطقة وحاجات الكرملين للأستقرار السوري، تصب كلها في الطاحونة الإسرائيلية “ومن أجل تأطير تدبير سوري-إسرائيلي، يمكن أن تتبنى روسيا والولايات المتحدة صيغة “الأرض مقابل المال”، بالإضافة إلى انسحاب إسرائيل من عدة مناطق أساسية في هضبة الجولان. فسيتم التعويض لسوريا عن المناطق المتبقية التي تم ضمها رسميًا من قبل إسرائيل من خلال مبلغ كبير يتم الاتفاق عليه مسبقًا. أما الأموال، التي يتوقع أن تصل قيمتها إلى عشرات المليارات، فستنبثق عن إسرائيل وشركائها في الاتفاق، ويجب استخدامها لإعادة بناء سوريا. ويمكن استخدام جزء كبير من الأرباح الناتجة عن شراء هضبة الجولان أيضًا لتمويل جهود إعادة البناء المفترض إدارتها من قِبل شركات أمريكية وروسية وأوروبية”.

والطريف ستكون “الغرامة” الإسرائيلية هو قبول تل أبيب ” بقرار لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يقضي بإنهاء النزاع بشكل رسمي. ولا بد لسوريا وداعميها أن يقبلوا باتفاق شامل لنزع السلاح، وذلك لضمان الأمن على طول الحدود الجديدة”.

بينما تكون الجائزة الروسية هي حصولها “على تفويض دولي للبقاء في سوريا، مع تواجد إما أمريكي وإما لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) لضمان التنفيذ الصحيح للاتفاق بين الأطراف والمحافظة على الأمن بعد انتهاء الحرب. وقد توافق روسيا على حصر وجودها العسكري في سوريا بمرفأ طرطوس وقاعدة حميميم الجوية”.

لكن ذلك مشروط بالتزام “كل الأطراف المتفاوضة بخطة متفق عليها تقضي بتفكيك الوجود العسكري الإيراني ووجود “حزب الله” في سوريا، ما يحوّل الوضع المعقد في سوريا إلى تلاقٍ مباشر للمصالح المتوائمة ضد التوسع الإيراني المستمر”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى