متابعات

توقيف غصن.. الجدية في اليابان والهزل في لبنان!

زهير دبس

لم تشفع للبناني الأصل كارلوس غصن عبقريته الفذة بانتشال شركات عالمية عملاقة وإنقاذها من الإفلاس من أن يفلت من العقاب الياباني بعدما اتهمته السلطات هناك بالتهرب الضريبي طوال سنوات فأوقف للتحقيق معه. غصن لم يستطع أيضاً تسييل تلك العبقرية وذلك المجد الذي وصل إليه في صناعة السيارات وتحويله إلى طوق نجاة يقيه المساءلة والمحاسبة في مجتمعات تقدّس القانون الذي يعلو ولا يعلوه شيء.

لم تسأل السلطات اليابانية عن النتائج التي قد تؤدي إلى مثل هذا الإجراء ولم تقم وزناً لحسابات الربح والخسارة جرّاء ذلك التوقيف الذي ربما يؤدي إلى هبوط في أسهم شركات السيارات التي يرأس مجالس إدارتها غصن. ولم تسأل عن التحالف العملاق لتلك الشركات والتي يطاول اهتزازها إقتصادات دول. لم يتصل أحد بالمدعي العام الياباني الذي أوقف غصن، ولم يستشر الأخير أحدا ، وأيضاً لم يسأل عن هوية الرجل ومكانته وعن أصله وفصله، بل أنصت وتمعّن جيّداً في شيء واحد أحد، لم ينظر ولم يستمع إلى سواه وهو «القانون». وعليه استند ذلك المدعي العام وأوقف غصن.

وحسب القضاء الياباني، الذي صادَقَ على التحقيقات الداخلية التي أجرتها شركة نيسان، والتي بيّنت أن غصن “ارتكب أعمال عديدة من سوء السلوك، مثل إستخدام أملاك الشركة لغايات شخصية”. وعليه، أمَرَ المدّعي العام في اليابان بإلقاء القبض على غصن بتهمة “إنتهاك الصكوك المالية اليابانية، وقانون الصرف، وتقليل دخله على البيانات المالية لشركة نيسان”، إذ كان غصن يعلن “على مدى سنوات عديدة عن عائدات تقل عن مدخوله الفعلي”، وفق ما نشرته صحيفة أساهي اليابانية.

توقيف غصن تسيّد نشرات الأخبار في العالم ودفع الحكومة الفرنسية للإعلان عن أنها لم تجد أدلة على احتيال ضريبي من جانب رئيس تحالف رينو- نيسان – ميتسوبيشي كارلوس غصن، في فرنسا.
خبر اعتقال غصن ترك أثراً سلبياً داخل الشركات التي يديرها، وتحديداً في شركتي نيسان ورينو. إذ تنظر نيسان في إمكانية إقالته من منصبه، فيما كان التأثير الاقتصادي المباشر من حصّة شركة رينو، التي سجّلت إنخفاضاً في أسعار أسهمها بنسبة 12 في المئة، وهو أدنى مستوى تسجّله أسعارها منذ العام 2014.

توقيف غصن في اليابان تردّد صداه في لبنان وطرح أسئلة عديدة حول البروباغندا عن الانتشار اللبناني في العالم وتعريفه وحقيقته ومدى صحّة مقاربته على المستوى الوطني. وطرح أيضاً التبني المجاني والشكلي لشخصيات منها من أثرى العالم بعطاءاته الانسانية ومنها من بنى امبراطوريات أعمال خاصة عملاقة، فيُصار إلى تجيير تلك الشخصيات بشكل فاضح وهزلي وتبنيها فقط لأنها من جذور لبنانية. والسؤال الذي يطرح أيضاً عن أحقيتنا في تبني ذلك وعن جوازه، وكذلك عن منسوب الانتماء للبنان لدى رجال أعمال عالميين أو مشاهير من ذوي أصول لبنانية أمثال كارلوس سليم أو ميشال تامر أو غيرهم، وللتذكير كارلوس سليم لم يسدّد ثمن إقامته في فندق الحبتور الذي حلّ به ضيفاً، فبقي الفندق المذكور يراجع دوائر القصر الجمهوري لكي تُسدد مستحقاته والتي كانت بدورها تحيلها إلى وزارة الخارجية.

والتساؤل ينسحب عن معنى «الفخر» والاعتزاز بهؤلاء وعن علاقة لبنان الفعلية بهم وعلاقتهم الحقيقية به. فالمغالاة في التبني لهؤلاء يأتي نتيجة فائض ضعف لدى بلد يبحث عبثاً عن نجاحات خلف البحار ليغطي بها عجزاً داخلياً مستفحلاً تكون بمثابة ورقة تين يغطي بها عورة وطن عاجز ليس عن التبني الفعلي لهؤلاء بل عن تشكيل لجنة تحقيق في مجرور أدى إلى اختناق عاصمته بالروائح العفنة.

لم تغب صورة كارلوس غصن وإسمه عن معظم المؤتمرات والمناسبات الاغترابية التي تعقد في لبنان وما أكثرها، كواحد من الذين «رفعوا إسم لبنان عالياً». والمثير للتساؤل هو هل أن غصن كان يرفع إسم لبنان عالياً عندما كان يقوم بإنقاذ هذه الشركة أو تلك من الإفلاس وكيف يصح ذلك، وأين هو إسم لبنان وأين يكمن الفخر والاعتزاز الذي نبحث عنه عبثاً بين دواليب سيارات النيسان اليابانية والرينو الفرنسية، فالرجل يبني نجاحات شخصية تجارية تحاكي مليارات الدولارات ليس لها أي بعد وطني على الإطلاق، والرساميل لا أوطان لها وأيضاً الإبداع والعبقرية وغصن يصنف من بين هؤلاء العابرون للأوطان وللانتماءات.

تبقى الأكثر طرافة التعليمات التي أعطاها وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل لسفير لبنان في طوكيو، «بضرورة متابعة قضية غصن واللقاء به للاطلاع على حاجاته والتأكد من سلامة الاجراءات المتخذة والحرص على توفير الدفاع القانوني له ليتسنى له عرض ما يمتلكه من وقائع وأدلة وفرصة حقيقية للدفاع عن نفسه».

فغصن كما قالت التعليمات هو مواطن لبناني منتشر وهو يمثل احدى النجاحات اللبنانية في الخارج، والخارجية اللبنانية ستقف إلى جانبه في محنته لتتأكد من حصوله على محاكمة عادلة.
لا تستطيع عند سماع ما أمر به باسيل حول الحرص على التأكد من سلامة الاجراءات اليابانية في حق غصن إلا أن تُطلق ضحكة مدوية سيتردد صداها حتماً في قصور العدل اللبنانية، وستدرك لاحقاً أن مزحة من العيار الثقيل صدرت عن وزير خارجية بلد لم يستطع بكل ما أوتي من تكريم لأبنائه المنتشرين الذين يرفعون إسم لبنان عالياً ومن ضمنهم غصن أن يقنعهم بأن يتركوا اليابان والبرازيل وغيرهما من البلدان وأن يأتوا ويستثمروا في لبنان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى