مختارات

جنازات تتحول إلى مناسبات للرقص والغناء

تتعدد الطقوس في الأفراح والأحزان، إذ تبدو العادات الاجتماعية في العالم بلا أفق، فلكل شعب تقاليده المتوارثة التي تتغير بمرور الأيام مع بقاء بعض الأساسيات التي تميز تلك الثقافة، لكن مهما تعددت التفاصيل وطرق استقبال المناسبات المختلفة سواء قاسية أو مبهجة فإن وداع الموتى بالرقص والزغاريد والغناء لا يزال يثير الحيرة والدهشة.

وقد باتت تلك الأمور تأخذ حيزاً كبيراً من الجدل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتكرر الموقف أخيراً بعد تداول فيديوهات لعائلة المغني اللبناني الراحل جورج الراسي وهم يرقصون والدموع على وجوههم ويصفقون بينما أغنياته تصدح في الخلفية، وذلك أثناء تشييع جثمانه إلى مثواه الأخير، عقب أن لقي مصرعه وهو في الـ39 من عمره في حادثة سير مروعة بين لبنان وسوريا حينما كان عائداً من إحياء حفل، كما كانت مديرة أعماله أيضاً من ضمن ضحايا الحادثة.

موت وحسرة وزفة راقصة

مشهد وداع جورج الراسي على الفور ذكر الجميع بمشهد مشابه لجنازة النجمة اللبنانية صباح “الـ10 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1927 – الـ26 من نوفمبر 2014” التي أوصت بأن يغني المشيعون ويرقصون الدبكة خلال رحلتها إلى القبر، وهو ما حدث بالفعل، وكان الأمر مثار جدل حينها.

أيضاً كانت جنازة وديع الصافي “الأول من نوفمبر 1921 – الـ11 من أكتوبر (تشرين الأول) 2013” تحمل أجواء راقصة، وكذلك شيع جثمان الموسيقار ملحم بركات “الخامس من أبريل (نيسان) 1942 – الـ28 من أكتوبر 2016” على وقع أغنياته والدبكة اللبنانية.

لكن الحقيقة أن الأمر لا يتعلق فقط بالمشاهير من الفنانين أو حتى رجال السياسة والعسكريين في لبنان، لكنه أيضاً يمتد ليشمل الجنازات التي تتسم بظروف معينة، لا سيما إذا كان الضحايا في سن صغيرة نسبياً.

وهو الأمر الذي تؤكده إسراء عبد الساتر التي تعيش شمال البقاع بلبنان، إذ تقول إن الأجواء التي تشبه الاحتفالات في وداع الراحلين هي “عادة رائجة بين أغلب الطوائف في لبنان وفي أغلب المناطق، وارتبطت بداية بمن يظنونهم (شهداء) وبمن يتوفون صغاراً بالعمر سواء رجال أو فتيات، إذ يشعر الأهل أن فقيدهم أو فقيدتهم غادروا الحياة قبل أن تفرح بهم العائلة، بالتالي يزفونهم عرساناً إلى مثواهم الأخير، ومن ثم هناك من ينثر الورود حول النعش، ويغنون ويصفقون ويرقصون الدبكة، فهو احتفال لكنه يعبر عن الحزن العميق”، لافتة إلى أن تلك الأمور تنطبق بصورة أكبر على الجنازات فيما مراسم العزاء تمر بشكل اعتيادي على الأغلب.

وتواصل عبد الساتر شرح الطقوس مضيفة في حديثها إلى “اندبندنت عربية” أن بعضهم يطلقون الأعيرة النارية أيضاً حينما يصل جثمان المتوفى إلى المنزل “تعبيراً عن الحزن وأيضاً كإشهار بوقوع حدث جلل في العائلة، وهو أمر يكون بالقرى على الأرجح، لكن ينتشر أيضاً في بعض المناطق بالمدن كذلك”. كما تكشف أن هناك جنازات “يستعين فيها أهل الفقيد بفرق محترفة لرقص الدبكة وفرق استعراضات الخيول، إضافة إلى قيام الحضور بأداء المواويل (العتابة) شبه المرتجلة التي تتضمن أبيات شعر تتغنى بالمتوفى وخصاله الحسنة”.

طرد الأرواح الشريرة!

وبالنظر إلى ثقافات أخرى، فالأمر نراه في بعض القبائل الأفريقية بخاصة في غانا، حيث اشتهرت عبر الإنترنت قبل العامين “رقصة التابوت”، وفيها تقوم فرقة محترفة بحمل نعش المتوفى والرقص على نغمات معينة حتى مثواه الأخير، وبحسب المراجع فإن الرقص في الجنازات كان شائعاً في تايوان إبان القرن الـ19 ثم اختفت تلك العادة، لكن قبل سنوات تم إحياؤها وظهرت عبر الإنترنت مقاطع من جنازات لشخصيات ذوي نفوذ، كما جرت الاستعانة بفرق رقص محترفة بملابس جريئة، اعتقاداً من أهل الراحل بأن تلك الرقصات تطرد الأرواح الشريرة وتسعد المتوفى.

وعربياً نجد أن هناك عائلات توزع الحلوى والشيكولاتة في الجنازات ويرتدون الأبيض، لأن في اعتقادهم أن فقيدهم كان حلو السيرة وطيب الخلق وأنه ذاهب إلى مكان أفضل من الدنيا، كما أن الزغاريد تنتشر أيضاً بين صفوف حضور الجنازات في الأراضي الفلسطينية، وهو الأمر نفسه الذي يحدث في مصر، فيما يتعلق بجنازات الجنود الذي يدفعون أرواحهم دفاعاً عن وطنهم، إذ تصاحب مراسم الجنازات الزغاريد التي تعبر عن رضا الأهل بالقدر وتمنيهم أن ينال الراحل الجنة، لأنه فقد حياته في سبيل الدفاع عن الوطن.

لكن تلك العادة أصبحت أيضاً تمتد لتطاول جنازات لا تخص الجنود، إذ شهدت الفترة الأخيرة تكرار تلك الطقوس في جنازات كثيرة بينها عروس وعريسها لقيا مصرعيهما قبيل الزفاف بأيام، فشيع الأقارب الجنازتين بالزغاريد حزناً على شبابهما الضائع، في محاولة لكسر شعور الحسرة والتعامل مع الفقدين على أنهما لا يزالان عريسين، كما جرى تداول فيديو منسوب لأهالي أحد المتوفيين بقرية في صعيد مصر كانت الجنازة فيه عبارة عن سباق للزغاريد والرقص على نغمات المزمار والطبل البلدي، وقيل حينها إن تلك الطقوس جاءت بناء على طلب الراحل.

جدل ديني وثقافة مجتمعية

كان من الطبيعي أنه بعد تكرار تلك المظاهر أن يلجأ الأفراد إلى رجال الدين لمحاولة معرفة الحكم الشرعي في تلك الطقوس، إذ تردد السؤال بعشرات الصيغ على عدة شيوخ، وجاءت أغلب الردود مستنكرة تلك التصرفات، داعين أهل المتوفى إلى التعامل بسكينة وهدوء وعدم الانسياق وراء تلك المظاهر.

ويرى أستاذ العادات والمعتقدات والمعارف الشعبية عبد الحكيم خليل أنه وفقاً للثقافة الإسلامية فإن البكاء والنحيب على المتوفى “يعذبه ويضر به، فيفهم الناس أن المطلوب هو الرضا والتسليم والسعادة للانتقال إلى الدار الحق والصبر على الابتلاء، وهي أفكار ليست بعيدة من فكرة الاحتفاء بالموت”، مضيفاً أن عادات تحويل مراسم الجنازة إلى ما يشبه الزفة “مرتبطة بأكثر من ثقافة في المجتمع المصري بينها القبطية وقبلها الفرعونية”.

ويشير خليل إلى أن “موسيقى الجنازات كانت أمراً شائعاً لدى قدماء المصريين بخاصة للقادة، وهو أمر متوافق مع معتقدهم بالخلود في الحياة الثانية، بالتالي كانوا يضعون مع المتوفى متعلقاته وأشيائه المحببة، لأنهم يسعدون بخروجه من الحياة الدنيا المظلمة ومكوثه في الحياة الأخرى الأكثر سعادة وراحة”.

ويؤكد أستاذ المعتقدات الشعبية أن الأمر تطور في العصر الحديث بالجنازات العسكرية، وبالنسبة إلى عموم الناس “فهم يطلقون الأعيرة النارية في الصعيد على سبيل المثال حينما يتوفى كبير العائلة أو شخص قام بعمل بطولي مهم”، لافتاً إلى أن بعض الطرق الصوفية أيضاً “تنتشر لدى أفرادها عادات شبيهة، وهي الاحتفال في محيط الأضرحة وإقامة ليالي الأفراح”.

أندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى