رصد-قديم

جنبلاط يكسر الجرّة مع الحريري ويتهمه: بقلّة الوفا..ولماذا وقع الخلاف؟

تدهورت العلاقة بين رئيس الحكومة سعد الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، بطريقة دراماتيكية، مع أن اللقاء الذي جمعهما منذ يومين على عشاء في أحد مطاعم بيروت بحضور السفير المصري نزيه النجاري والوزيرين وائل بو فاعور وغطاس خوري، لم تتخلله خلافات أو مواقف تنبىء بتصعيد المواقف بينهما.

لكن بعد هذا اللقاء أطلق جنبلاط أكثر من تغريدة ملغزة تنطوي على نقد أو تهكم تصل شظاياها إلى الحريري نفسه، وذلك على خلفية إعطاء المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان الإذن بملاحقة أحد الضباط المحسوبين على جنبلاط بتهمة فساد، ثم كان الموقف الناري الذي أطلقه اليوم الزعيم الدرزي بعد اجتماع نواب اللقاء الديموقراطي في كليمنصو، وفيه الكثير من الطعن بحق الحريري واتهامه مباشرة بالتنازل عن صلاحياته لحد التفريط باتفاق الطائف، ومما قاله ” لاحظنا آحادية بتشكيل الحكومة وشبه غياب لمركز رئاسة الوزارة، وكأن الوزير باسيل وضع الخطوط العريضة للبيان الوزاري والمرحلة المقبلة. وسأل جنبلاط الرئيس سعد الحريري: إلى أين تأخذ البلد، وأين هو الطائف الذي استشهد من أجله الرئيس رفيق الحريري؟”.

وكان رد رئاسة مجلس الوزراء سريعا على حنبلاط، فقد وصفت “الكلام الذي يحاول النيل من دورها، بأنه محاولة غير بريئة للاصطياد بالمياه العكرة، وتعويض عن مشكلات أصحاب الكلام، وأن رئاسة مجلس الوزراء المؤتمنة على الطائف لن تكون مكسر عصا أو فشة خلق لأحد”.

صحيفة “الشرق الأوسط” تتبعت مسار هذا الخلاف بين حليفي الأمس،وتروي نقلا عن البعض كيفية تطوره وصولا للكلام الأخير لجنبلاط ورد الحريري عليه:

أن بداية الخلاف بين الحريري وجنبلاط كانت خلال العشاء المذكور الذي جمعهما، وفيه تبادلا العتاب، وبعد ساعة من انتهاء هذا اللقاء، بعث جنبلاط برسالة إلى خوري ومنه إلى الحريري كانت شديدة اللهجة وبقيت محدودة التداول، وفيها اتهام مباشر بأنهم يعيدون «المختارة» إلى ما كانت عليه إبان عام 1958. والمقصود بهذا التاريخ بدء الثورة آنذاك على الرئيس الراحل كميل شمعون.
وتضيف الصحيفة أن جنبلاط غمز من قناة الحريري متهماً إياه بقلة الوفاء، إضافة إلى أن هذه الرسالة أُتبعت بتغريدات لجنبلاط هاجم فيها تلزيم معمل دير عمار لتوليد الطاقة وإعادة تأهيل مصفاة طرابلس؛ وإنما بالتراضي. ناهيك باتهام أوساط مقربة من جنبلاط، الحريري، بأنه حاول انتزاع وزارة الصناعة من حصة «التقدّمي» وأن تكون بديلتها حقيبة الإعلام أو التنمية الإدارية، وأن جنبلاط لوّح بعزوفه عن الاشتراك في الحكومة في حال أُخذت منه حقيبة الصناعة.
وفي المقابل، تنفي مصادر «المستقبل» أن يكون الحريري طلب من جنبلاط التنازل عن وزارة الصناعة، وتقول إنه صارحه في أحد اللقاءات بقوله: «إنك تنتقد دور وزارة الثقافة في الحفاظ على البيوت التراثية، خصوصاً في بيروت، وأنا أطرح عليك أن تفكر بأن تكون هذه الوزارة من حصتك لقاء التخلي عن وزارة الصناعة».
وتضيف المصادر نفسها أن الحريري ترك القرار النهائي في هذا الشأن لجنبلاط، ثم عاد عن طلبه في ضوء استجابة رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع لرغبته (أي الحريري) في استبدال الثقافة بواحدة من الحقيبتين الإعلام أو التنمية الإدارية، فما كان منه إلا أن وافق على أن تُسند الأخيرة إلى الوزيرة مي شدياق.
وتلفت المصادر إلى أن الحريري وإن فضّل عدم الدخول في سجال مع جنبلاط، فإنه لن يقبل بعد الآن أن يكون «مكسر عصا» توجّه إليه الانتقادات ثم يتراجع جنبلاط عن بعضها في وقت ولاحق.
وبالنسبة إلى تلزيم الكهرباء، تقول المصادر في «المستقبل» إن التلزيم تم بقرار اتُّخذ في مجلس الوزراء قبل استقالة الحكومة السابقة، وإن ممثلي «اللقاء الديمقراطي» في الحكومة وافقا على هذا القرار، فيما يوضحان بأن موافقتهما جاءت مشروطة بالعودة إلى مجلس الوزراء؛ وهذا ما لم يحدث.
لكن القشة التي قصمت ظهر البعير وأخذت العلاقة يبن خليلَي الأمس إلى حافة الانهيار كما تقول “الشرق الأوسط”، كانت إسناد وزارة المهجّرين إلى القيادي في «التيار الوطني» الوزير الكاثوليكي غسان عطا الله مع أنه رسب في الانتخابات النيابية الأخيرة عن المقعد الكاثوليكي في دائرتَي الشوف – عاليه في وجه منافسه النائب نعمة طعمة العضو في «اللقاء الديمقراطي».
وفي هذا السياق، تعدّ مصادر «التقدمي» أن تسليم الحريري بإسناد حقيبة المهجّرين إلى مرشّح راسب في الانتخابات من بلدة بطمة الشوفية، يشكّل حالة استثنائية، لأنه من غير الجائز أن تُسند هذه الوزارة إلى عطا الله وحده من الوزراء في الحكومة ممن خاضوا الانتخابات النيابية ولم يحالفهم الحظ.
إلى هذا، تقول “الشرق الأوسط”، أن تسمية وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب عضواً في اللجنة الوزارية لصياغة البيان الوزاري تشكّل ظاهرة غير مسبوقة؛ إذ إنها للمرة الأولى منذ أكثر من 3 عقود تضم لجنة من هذا القبيل وزيرين عن الدروز.
ومع أن وزيري «اللقاء الديمقراطي» في الحكومة أكرم شهيّب ووائل أبو فاعور لم يعترضا على ضمه إلى اللجنة بطلب مباشر من باسيل رغم أنه محسوب في آن واحد على «التيار الوطني» والنائب طلال أرسلان، فإن إحجامهما عن التدخُّل يعود إلى رغبتهما بعدم افتعال مشكلة توحي للبعض بأنها خلاف درزي – درزي رغم أن باسيل تصرّف كأنه نجح في كسر أحادية التمثيل.
لذلك، فإن جنبلاط، الذي كان أسهم في حل مشكلة التوزير الدرزي في إيداعه رئيس الجمهورية لائحة بأسماء مرشحين لاختيار الدرزي الثالث من خارج حصة «اللقاء الديمقراطي»، فوجئ برد الجميل السلبي له مع أن رئيسَي المجلس نبيه بري والرئيس المكلف في حينها وقفا منذ اللحظة الأولى إلى جانب رئيس «التقدمي» الذي أبدى حسن نية لتسهيل ولادة الحكومة بلا أي مقابل.
وعليه، ترى الصحيفة إن المسار الذي ستبلغه علاقة الحريري بجنبلاط الآن موضع مراقبة لمعرفة الاتجاه الذي ستسلكه، وما إذا كانت الجرة انكسرت بينهما، أم إن المساعي لأصدقاء مشتركين ستؤدي إلى إعادة ترميم العلاقة، وصولاً إلى تبديد «قلق» جنبلاط حيال الأجواء التي سادت عملية تأليف الحكومة والتي عكست اختلال ميزان القوى في داخلها لتحالف محور الممانعة و«التيار الوطني»؛ هذا في حال أن الأخير ومعه رئيس الجمهورية لن يقوما بخطوات تؤشر إلى تمايزها عن هذا المحور.
وتضيف: إن تركيبة الحكومة أدت إلى ترجيح كفة الآخرين، وهذا ما يخشاه جنبلاط الذي كان يتم التعامل معه على أنه «بيضة القبّان» في حسم الخيارات السياسية، بعد تغير موازين القوى إثر الانتخابات النيابية الأخيرة. كما أن وضع الرئيس الحريري لن يكون مريحاً ما لم يحصل على ضمانات من الرئيس عون الذي يراهن عليه بأنه سيبقى في منتصف الطريق وسيحاول لمّ الشمل والضغط في اتجاه الحفاظ على الانسجام في داخل الحكومة التي قد تشكّل الفرصة الأخيرة للانتقال بالعهد الرئاسي من إدارة الأزمة إلى تحقيق الإنجازات للنهوض بالبلد من أزمته الاقتصادية العاتية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى