متابعات

حرب أوكرانيا.. غداً يوم آخر

لا أحد يعرف أين سيكون العالم بعد أشهر من اليوم، لا على المستوى السياسي والأمني، ولا على المستوى الاقتصادي. غداً يوم آخر كما يقولون.

منذ أن أصبحتُ بصلة وطيدة مع أوروبا والغرب بحكم دراستي وعملي وسفري وميولي الليبرالية، وأنا أعود إلى جملة مهمة سمعتها من أوبير فيدرين (الدبلوماسى والسياسى والوزير السابق لشؤون الخارجية الفرنسية) عام ٢٠٠٥. وبعد ذلك سمعتها من كل عاقل في الغرب، لا من اليسار المتطرف أو اليميني المحافظ الخائف. الجملة هي “الأمور ستتطور في الثلاثين سنة المقبلة حسب مقدار حفاظ الغرب على توازنه في إدارة تراجعه النسبي” son déclin relatif. ونحن هنا لا نتكلم عن خسارة. – والغرب هنا يضم روسيا واليابان- نحن نتكلم عن حضارة تختزن كل عناصر القوة التي لم تجتمع يومًا في امبراطورية.

لا مجال هنا للدخول في أسباب هذا التراجع النسبي. إنها عديدة، يكفي أن نستذكر المعادلات الديموغرافية. أعود دون انقطاع إلى هذه الجملة التي تختصر عصارة فكر استراتيجي يثبت يومًا بعد يوم بأنه صحيح وعلى صواب.

أنا لا أقارب الموضوع هنا من منطلقات معادية للغرب. أولاً لأنني أعتبر نفسي غربي الحضارة بمقدار ما أنا شرقي الانتماء. ثانيًا، لأنني أعتبر أن الغرب لم يعد جغرافيا، بل فكرة تطال كل العالم، لكن هذا نقاش آخر.

الكل يعلم أن هناك أزمة قيادة في الغرب، ولكن كيف؟ لماذا؟ أهل يعقل في أرض المؤسسات والجامعات والعلم ومراكز الابحاث أن تكون القيادات بهذا المستوى؟ المطلوب تفكيك هذه الإشكالية. هذا يعني أننا لم نعد في نظام الترقي السابق méritocratie. واذا صح هذا التحليل، يفترض أن نعلم لماذا؟

بنظري، أن ذلك يعود إلى سيطرة فكرة الاولتراليبرالية (واعتبرها أكثر ما بعد الليبرالية لأنه لم يعد لها أي علاقة بالأفكار الليبرالية المؤسِّسة) التي حجمت الدولة وزادت اللامساواة.

عملياً، القطاع الخاص بقدراته المادية هو الأكثر قدرة على استمالة الأكثر كفاءة وليس الدولة. القطاع الخاص اليوم هو المؤثر الأكبر في صياغة الخيارات السياسية عبر مجموعات الضغط. هذا يعيدنا إلى الفكرة المؤسسة للدولة كراعية للمصلحة العامة والقادرة على صياغة سياسات بعيدة المدى بمزاوجة الدفاع/الأمن، الدبلوماسية، والتنمية والاقتصاد. وهذا بالطبع ليس من أهداف القطاع الخاص.

كل فكرة التنوير والدولة الحديثة (ولا أتكلم هنا عن دولة الرعاية) فقدت علة وجودها مع نخب ليس لديهم باليد إلا عصا “السوق” وعصا “العقل التقني الاداري”. في وقت، المطلوب من الدولة أن تتطور بسرعة تطور التكنولوجيا. لكن ذلك لم يتحقق إلا في مجال التواصل communication للاسف. وللتواصل حدود في إدارة البلاد والعباد لأن المطلوب الكثير.

نحن أمام مشهد مخيف، بلدان ليس لديها شيء لتقوله على صعيد إدارة العالم (مثل الصين)، وبلدان من المفترض أن تكون الراعية للمؤسسات الدولية تقف نخبها عاجزة عن إدارة تحديات العصر.

هذا هو المخيف والخطر في حرب أوكرانيا. لقد كشفت هذه الحرب عن تحلل كل منظومة الحوكمة العالمية. حيث أضافت إلى صراع جيوسياسي وعسكري، صراع اقتصادي لا أحد يعرف متى وكيف ينفجر بالجميع، بسبب سياسة العقوبات العشوائية. ترابط العالم وتداخل المنظومات المالية والمصرفية العالمية تجعل من الصعب في مكان إصابة بلد بضرر اقتصادي دون تمدد هذا الضرر إلى باقي المنظومة.

في النهاية ماذا يعني النمو اليوم في حضارتنا الحالية غير تحويل الطاقة إلى سلعة أو خدمة؟ من هنا لا يمكن فصل الطاقة عن النظام المالي. من هنا لا يمكن فصل روسيا عن العالم. ومن هنا لا يمكننا فصل العسكري عن الاقتصادي. من هنا الجميع يركب العربة الجديدة نفسها، ولكنه يقودها بمهارات تنتمي إلى النماذج القديمة الموروثة. وفي هذه الأثناء العربة تتجه إلى الهاوية! ماذا تفعل الناس؟ تتفرج على التلفاز وتشجع الاطراف المتحاربة.

هنا أستحضر فيلم look up وراهنيته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى