آراء

خطاب نصرالله..لمنع الحرب أو الاستعداد لها؟

من يقرأ ما انتهى إليه خطاب السيد حسن نصرالله أمس، بإلقاء نظرة سريعة على ردود الفعل في أكثر من مكان، يجد بأن نتائجه أكثر خطورة من أسبابه، حتى أنه يستدعي إلقاء خطابات أخرى لتهدئة هذه النتائج، فيما لو كانت النية معقودة قبلُ، لمعالجة الأسباب.

إذا افترضنا أن أحد أهداف هذا الخطاب، كان إعادة ترميم صورة حزب الله عند المسيحيين بعد الأضرار الفادحة التي لحقت بها من أحداث الطيونة وممارسات حليفه العوني، فإن مفاعيل كلام نصرالله كانت على عكس توقعاته (المفترضة). لم يكن هناك إضافات جديدة على رواية الكمين، لا بل حديثه عن سقوط ضحايا برصاص الجيش وانتظار التحقيقات، يرسخ الشكوك حول رواية الكمين المدبر.

أما إذا كان المقصود من الخطاب فض المسيحيين عن سمير جعجع، بتذكيرهم بسياسات حزب القوات تاريخيا إبّان الحرب الأهلية، فإن مثل هذه المرافعة الاتهامية قد تكون ذات فائدة لو أن اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصا لديهم ترف الوقت لتنقية تاريخهم وإجراء محاسبات بمفعول رجعي. فتاريخ القوات وبغض النظر عن الأحكام السياسية التي تُطلق عليه، لا تتصل بالأزمة الحالية الخانقة التي يرزح تحتها اللبنانيون. هناك مطالعة شعبية جرى التعبير عنها في 17 تشرين 2019 تضع معاناة اللبنانيين والخراب الذي لحقهم برقبة الطبقة السياسية كلها، ويأتي ترتيب القوات في تحمل المسؤولية في أسفل السلم الذي يتصدره الثنائي الشيعي والتيار الوطني الحر.

أما اضطرار نصرالله للإفصاح عما يعتبره أسرارا عسكرية، وتهويله على جعجع بأن عديد قوات حزبه فوق ال 100 ألف مقاتل لمنع الحرب الأهلية. يمكن القول فيها أن النتيجة أطاحت بالسبب. مثل هذا الكلام راى فيه الطرف الآخر تهديدا بالحرب ومدعاة للاستعداد لهذا التهديد والتحضير له وإشعار هذا الطرف بخطر وجودي يتربص به. وهذا ما أبرزته ردود الفعل في البيئة المسيحية بعد الخطاب مباشرة بالالتفاف أكثر حول جعجع وحزبه وتصويره قائدا للمسيحيين.

ولا يختلف الأمر بتذكير نصرالله بما قدّمه من خدمات و”تضحيات” للمسيحيين في المرحلة السابقة. إن لجهة التحالف مع المكون المسيحي الأكبر (التيار العوني) والقانون الانتخابي الأخير والإتيان برئيس قوي منهم وتمكينهم من استعادة حصصهم في الإدارة، كل هذه التمنينات أو “تربيح الجميلة” لن تؤخذ بعين الاعتبار. والموقف المسيحي ليس حجودا، إنما يتحدّد بالالتفات إلى ما جنوه من هذه التقديمات، حيث لم يحصدوا منها، سوى ضياع ودائعهم في البنوك وتعطيل مؤسسات دولتهم وانهيارها وتهاوي قيمة ليرتهم وانفلات أمني وبطالة وتهجير شبابهم وإذلالهم كما غيرهم لتحصيل المقومات الأساسية لعيشهم.

هل كان يتوقع نصرالله من ردود المسيحيين خلاف ذلك، خصوصا أن توجه بكلمته الأخيرة إليهم؟ حزب الله ليس ارتجاليا ومشهود له اهتمامه بأدق التفاصيل والعناية بالبروباغندا وهو على دراية كاملة بكيفية تقلب المزاج اللبناني وانتزاع الاستجابات منه. لن تفوت حزب الله مثل هذه التوقعات، وهو يعرف جيدا كيف سيستقبل اللبنانيون عامة والمسيحيون خاصة تهديده بال 100 ألف مقاتل. بمثل هذا التهديد يعرف هذا الحزب أنه لا يصنع سلاما بين هويات دينية ومذهبية ترسخت لديها عقلية ذئبية، بعدما فشلت على مر تاريخها في صنع تسوية طويلة الأمد للتعايش بسلام فيما بينها.

هناك أمر آخر استدعى حزب الله لقول ما قاله زعيمه أمس. هناك قناعة عند هذا الحزب وعند غيره، أن لبنان لم يعد بمقدوره المضي قدما بصيغته الحاضرة وحتى بتفسيره المشوّه لاتفاق الطائف. هناك مرحلة أنتهت وأخرى جديدة على الطريق. وإذا كان حل الأزمة الاقتصادية والمالية تقتضي توزيعا للخسائر بين المصارف والدولة والمودعين والقطاعات التجايرة والاقتصادية. هناك مرحلة مقبلة ترسمها الدول الوصية على لبنان وتقتضي توزيعا للخسائر السياسية والنفوذ بين أحزاب السلطة والطوائف. هو الخوف من المستقبل، والحرب على الحصص، وهذا الذي اقتضى تكشير الأنياب وتشمير السواعد قبل الانتخابات.

مناطق نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى