رصد-قديم

دراسة إسرائيلية عن أشكال النفوذ الإيراني في سوريا

مناطق نت

أهمية هذه الدراسة الإسرائيلية لأشكال النفوذ الإيراني في سوريا، أنها توضح مدى حجم التعقيدات التي تعترض بفعالية مطالبة تل أبيب بإخراج إيران من سوريا.

كما توضح هذه الدراسة بأن العرض الروسي الذي يقضي بتراجع الإيرانيين وحلفائهم من الميليشيات الشيعية 85 كلم عن حدود الجولان المحتل لا يلبي حاجات الأمن الإسرائيلي، كما أن هناك اذرعا إيرانية داخل سوريا يتجاوز وجودها واستمرارها الصيغ المطروحة لتفريغ بلاد الشام من النفوذ الإيراني، وهو ما يشكل بنظر تل أبيب أخطارا على الدولة العبرية على المدى الطويل.

التقدير الاستراتيجي نشرته جريدة “القدس العربي” في عددها اليوم، وهذا ما جاء فيها:

نموذج النفوذ الإيراني في سوريا يضم مستويين مركزيين، يَبرز الأولُ برؤية تشغيلية مكونة من أربعة محاور عمل، التي بدمجها يعطيها السيطرة الجغرافية والوظيفية التي تريدها في سوريا وفي كل الهلال الشيعي. أما الثاني فيكون ببناء قوات عسكرية متنوعة ترتكز إلى متجندين محليين وخارجيين الذين هم في معظمهم من الشيعة برعاية وتوجيه وسيطرة إيرانية. عدد منهم يخطط لإبقائهم في سوريا، وهم مستوعبون في أطر قائمة، وعدد منهم يشكلون قوات بعثة للتدخل السريع وقت الحاجة. اختارت إسرائيل التقليل من الكشف عن حضور وكلاء إيران في جنوب سوريا وفي هضبة الجولان. يبدو أن إسرائيل تقدر أن هذه القوات لا تشكل تهديدًا حقيقيًا عليها، على الأقل في المدى القصير. وهي تركز على منع التمركز في سوريا للقدرات العسكرية الإيرانية التي تشكل تهديدًا مباشرًا لها. إن احتمال مهاجمة أذرع إيران موجود في أيدي إسرائيل، في الوقت الذي فيه روسيا والأسد لا ينجحون في إبعادهم عن الحدود في هضبة الجولان ـ «المصدر».
التدخل العسكري الإيراني في سوريا الذي بدأ عام 2012 هدف إلى إنقاذ نظام الأسد وترسيخ نفوذ إيران في الدولة لفترة طويلة. ومن أجل فحص أسلوب عمل إيران في سوريا وطبيعة قواتها وأذرعها المنتشرة على أراضي الدولة وبنية النفوذ هناك، تم إجراء متابعة للحوار الجاري في الشبكات الاجتماعية. هذا المقال يستند إلى حوار وتقديرات النشطاء ومن يشكلون الرأي العام في سوريا (بالأساس السنة) وهو مدعم بوثائق وصور وشهادات من الميدان وتحليلات. كل ذلك يسلط الضوء على «النموذج الإيراني في سوريا» الذي يرتكز على بناء تنوع من القوى الواقعة تحت سيطرة إيران ومستعدة لخدمة مصالحها في المنطقة. هذا التدخل تم بصورة غير تظاهرية وبتعاون مع نظام الأسد من خلال دمج المقاتلين الخاضعين لإيران في وحدات الجيش والدفاع السورية التي تحارب كما يبدو لصالح النظام.
التقديرات المنتشرة تبين أنه منذ دخول إيران وحزب الله إلى سوريا وحتى الوقت الحالي ـ تحرير جنوب سوريا من أيدي المتمردين في تموز 2018 ـ فإن إيران وليس روسيا هي الجهة التي تهيمن في سوريا. إيران هي التي تملي القتال على التحالف المؤيد للأسد على الأرض، والذي يسيطر على المعابر الحدودية بين سوريا والعراق وبين سوريا ولبنان، وهي التي تحدد إعادة تنظيم المناطق والتجمعات السكانية حسب العنصر العرقي. لإيران تأثير، وأحيانًا تأثير حاسم على ترتيبات القتال التي تتم بالتشاور بينها وبين روسيا والأسد.
مخطط عمل التحالف المؤيد للأسد الذي يشمل روسيا وإيران ووكلاءها هو كالتالي: أولا، يأتي المستشارون الإيرانيون إلى المنطقة، يفحصون الإمكانيات العملياتية واحتمالات نجاح احتلالها، وبعد ذلك يلتقون المندوبين الروس لتنسيق المعركة البرية مع النشاطات من الجو. وفي المرحلة التالية يتم إرسال القوات المقاتلة للعملية العسكرية ـ قوات جيش الأسد والمليشيات الشيعية الواقعة تحت قيادة إيران ـ إلى المنطقة المعدة لتحريرها من المتمردين ثم تطويقها وعزلها. العملية تبدأ بالقصف الجوي من قبل الطائرات الروسية ومن قبل سلاح الجو السوري الخاضع للأسد، إلى جانب إطلاق المدفعية الثقيلة، وبعد تليين مواقع المتمردين تقتحم القوات البرية وتحتل المنطقة. في الوقت نفسه، تجري مفاوضات من أجل اتفاقات استسلام بقيادة روسيا مع قيادة المتمردين.

نظرية المحاور

حسب رؤية إيران، فإن اندماج عدد من محاور العمل أمر مطلوب من أجل الحفاظ على نظام الأسد، الذي هو أداة رئيسية في النفوذ الإيراني. وفي الوقت نفسه مع سيطرة جغرافية وأدائية في سوريا كمرحلة قبيل السيطرة على «الهلال الخصيب» وخلق ممر بري يربط إيران بالبحر الأبيض، تلك المحاور:
أ ـ محور العمود الفقري لسوريا: وهو سلسلة المدن الرئيسية في وسط الدولة وشمالها، التي فيها يتركز معظم السكان ومراكز الحكم والاقتصاد. يعد الحفاظ على السيطرة على محور درعا في الجنوب ومرورًا بالعاصمة دمشق وانتهاء بالمحور المركزي الذي يتجه شمالاإلى حمص وحماة وحلب، وغربًا إلى اللاذقية، شرطًا ضروريًا للنجاح في الحرب.
ب ـ محور التواصل الجغرافي: إيران تعمل على السيطرة تدريجيًا على عدد من المجالات الرئيسية من أجل خلق تواصل جغرافي بينها حتى البحر الأبيض المتوسط، من خلال التقدم من السهل إلى الصعب: في البداية حدود سوريا لبنان، وبعد ذلك غلاف دمشق، ثم حدود العراق سوريا، ومحاور الحركة من الشرق إلى الغرب، وفي الوقت الحالي جنوب سوريا. في المرحلة القادمة ستتفرغ القوات للسيطرة على منطقتين لهما تحد أكبر في شمال شرق سوريا، المنطقة الكردية المدعومة من تحالف الغرب برئاسة الولايات المتحدة المهمة لإيران، ذلك أنها تسيطر على الحدود بين سوريا والعراق؛ فمحافظة إدلب هي المعقل الأخير للمتمردين السنة ومحمية من قبل تركيا. السيطرة على هذه المناطق أمر معقد جدًا في هذه المرحلة، لذلك تم تأجيلها إلى مراحل الحرب القادمة.
ج ـ المحور اللوجستي: محور التموين الأساسي من إيران عبر العراق وفيما بعد إلى لبنان (برًا وجوًا). هذا المحور (الذي سماه حسن نصر الله في الخطاب الذي ألقاه في آب 2017 «طريق التحرير») مهم لترسيخ قدرات إيران في سوريا، ونقل القوات والوسائل القتالية والدعم اللوجستي لوكلائها.
د ـ محور التجارة: ستتم إعادة فتحه بعد إغلاقة بشكل كامل على مدى سنوات، ويمر على طول «العمود الفقري» من شمال سوريا إلى جنوبها، على طول الطريق الدولي «ام 5» من تركيا ومرورًا بسوريا وانتهاء بالأردن ودول الخليج. هذا المحور سيساعد على إعادة تأهيل الاقتصاد السوري وسيزيل عن إيران جزءًا من العبء الاقتصادي.

هيكل القوة الإيرانية

الخطاب في الشبكة يدل أيضًا على هيكل قوة متعدد الطبقات في سوريا مع نفوذ إيراني متزايد:
أ ـ قوة القدس التابعة لحرس الثورة الإيراني: هي قوة إيرانية أصيلة، مسؤولة عن سوريا، وتحتها تعمل القوات الأخرى. نظام القوات وانتشارها تغير خلال الحرب ووفقًا للضرورة العملياتية، وتراوح حسب التقديرات بين 2000 ـ 5000 مقاتل.
شملت هذه القوة قادة ومستشارين ومدربين، المرتبطين بقوات أخرى في التحالف المؤيد للأسد ـ جيش سوريا والمليشيات السورية والمليشيات الشيعية. تم تعزيز قوة القدس في سوريا في السنة الثانية للحرب الأهلية عندما تولد خوف شديد على بقاء نظام الأسد. في المرحلة الأولى كانت مهمته الأساسية دفاعية ـ الحفاظ على الرئيس الأسد والمخلصين له وعلى مواقعه. ومع تقدم القتال انتقل أساس مهمته من الدفاع إلى الهجوم والمساعدة في احتلال مناطق سيطر عليها المتمردون. بعد ذلك ساعدت القوة في تحرير المحاور والطرق الرئيسية الاستراتيجية.
ب ـ قوات الدفاع الوطنية السورية: في السنوات الأولى للحرب الأهلية، حيث كان الجيش السوري الخاضع للأسد (الجيش العربي السوري) قد تفكك تقريبًا (بسبب هرب وعدم تجنيد مقاتلين وخسائر كثيرة في الأرواح)، قررت إيران مساعدة الأسد في إقامة «قوات الأمن الوطنية»، وهي مليشيات سورية تحت إمرة وتوجيه وتمويل وتسليح إيراني. قوات الدفاع الوطنية هي الموازي السوري للمليشيات الشعبية الشيعية العراقية «الحشد الشعبي» وحزب الله في لبنان. وحسب التقارير، فإنه جنّد للقوات الوطنية حوالي 90 ألف متطوع سوري، وكان الطموح هو أن يتمركز أساس القوة على العلويين والشيعة. مع ذلك، جند فيها أيضًا أبناء طوائف أخرى.
ج ـ قوات الدفاع المحلية: وهي وحدات شرطية، حماية وإدارة مدنية لمليشيات محلية. يقدر أن عدد أعضائها يبلغ 50 ألف شخص. هذا الجسم الذي يتكون من المخلصين للنظام أقامته إيران كرد على ضرورة التجمعات المحلية التي تخضع للنظام المركزي في دمشق، وضمن أمور أخرى، بهدف تشخيص وتصفية المتعاونين مع المتمردين وجهات المعارضة في سوريا، وثمة ضباط إيرانيون أو من صفوف حزب الله يندمجون في هذه المليشيات.
د ـ مليشيات شيعية: وهي مليشيات شيعية من أفغانستان (الفاطميون) وباكستان (الزينبيون) الذين تم تجنيدهم وتنظيمهم وتشغيلهم من قبل إيران. وحسب التقديرات فهذه المليشيات تضم 10 ـ 15 ألف مقاتل. وهدفها هو استخدامها كقوة هجومية رئيسية لتحرير مناطق من سيطرة المتمردين، وبعد ذلك تقوية الطوائف الشيعية والعلوية في سوريا وحمايتها من الانتقام والأعمال العدائية من جانب عدد من التنظيمات السنية.
إيران، وبتنسيق مع الأسد، تشجع المقاتلين وعائلاتهم على الهجرة إلى سوريا، ومرهونة بعملية إعطاء الجنسية والانصهار كاعداد لبقائهم هناك. وإذا تقرر في مرحلة التسوية السياسية إخلاء القوات الأجنبية من الدولة فالمقاتلون وعائلاتهم يتم إسكانهم في سكن الضباط في الأحياء التي تركها اللاجوين والمهجرون السوريون.
هدف العملية هو تعزيز الهوية الشيعية في سوريا مع المجندين الشيعة والعلويين لمليشيات قوات الدفاع المدني وقوات الدفاع المحلية، من أجل ترسيخ نفوذ إيران في الدولة لفترة طويلة وتعزيز الدعم الداخلي لنظام الأسد.
هـ ـ قوات شحن شيعية: أحيانًا تستخدم إيران مليشيات شيعية من العراق ومن لبنان (الرضوان من حزب الله وعصائب الحق وحزب الله قلباي والنجايبة ولواء ذو الفقار ولواء أبو الفضل العباس وقوة الجعفرية وغيرها)، كقوات تدخل سريع في مناطق القتال من أجل حسم المعركة عندما لا يكون هناك رد كاف لدفاع المتمردين. في ذروة القتال ضمت أسلحة الشحن هذه حتى 30 ألف مقاتل. وخلافًا لتجنيس المليشيات الأفغانية والباكستانية في سوريا، فإن المليشيات العراقية تعود إلى الدولة الأم مع استكمال مهماتها.
و ـ حزب الله درع دمشق وغلاف لبنان: حزب الله يعمل في سوريا منذ عام 2012 بقوة تتراوح بين 4 ـ 9 آلاف مقاتل، وهذا العدد يتغير وفقًا لضرورات الحرب على الأرض، إلى جانب الأسد وبتوجيه من إيران. المهمة الأولى لقوات حزب الله في سوريا كانت إنقاذ نظام الأسد وحماية دمشق. في نهاية عام 2016 جندت قوات حزب الله للمعركة من أجل تحرير المدينة الثانية من حيث حجمها وهي حلب. في الوقت نفسه، تركز حزب الله على القتال والحفاظ على إنجازاته في «غلاف لبنان»، الذي يسمى «فضاء الكيو»: القنيطرة والقلمون والقصير. الهدف الرئيس هو طرد المتمردين وتطهير مناطق حيوية من السكان السنة من أجل حماية محاور الوصول من سوريا إلى لبنان، وتوطين سكان «مريحين» في غلاف الحدود بين سوريا ولبنان ومنع عمليات تخريبية وانتقامية لجهات سلفية جهادية في لبنان. من الخطاب في الشبكات يتبين أن مقاتلين شيعة (باستثناء الذين يصلون من العراق) يهبطون في مطار بيروت، ومن هناك يتوجهون إلى معسكرات تجنيد واستيعاب وتدريب في لبنان، التي يشغلها حزب الله. بعد انتهاء فترة التدريب يندمج المتجندون الذين يلبسون زي الجيش السوري في القوات التي تحارب مع نظام الأسد.
ز ـ المرتزقة اللبنانيون والعراقيون: هؤلاء المقاتلون ليسوا أعضاء في المليشيات الشيعية على أنواعها، لكنهم يساعدون في القتال في المناطق المطلوب فيها دعم لوجستي وعملياتي. تمولهم إيران، وهم مثل المليشيات الشيعية العراقية وحزب الله، يعودون إلى دولهم الأم بعد انتهاء المهمات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى