إغتراب

دولة الطائف…. من المستفيد من هجرة الشباب اللبناني؟

د. جهاد العقل

تفاقمت هجرة الأدمغة والشباب إلى الخارج، منذ مطلع هذا القرن، وطرح الإخصائيون في هذا الشأن مجموعة من العناوين والأسئلة التي تدلّل على هول هذه الكارثة، التي تهدّد بتفريغ لبنان من شبابه المنتج في فترة زمنية قصيرة، لا تتعدى الثلاثين عاماً، ويضعون المسؤولية في ذلك على السلطة الحاكمة منذ اتفاق الطائف ومثال على ذلك من تلك العناوين والأسئلة هي أن ثلثي اللبنانيين يريدون الرحيل، و70% نسبة الهجرة في قطاع التكنولوجيا والإتصالات. نضيف عليها أنَّ التعليم العالي أصبح مصنع العمل والبطالة والهجرة. وهجرة الشباب سببها أنهم يرون وطنهم بلا مستقبل.
يهاجر 16 ألفاً ويولد 8 آلاف شهرياً، وعليه فإن لبنان سيفرغ من اللبنانيين خلال 30 عاماً! هجرة الأدمغة اللبنانية تشكّل نزفاً حاداً للطاقات فيما الدولة في غيبوبة. وهذه الهجرة تهدّد أيضاً بتفريغ لبنان من شبابه، حيث تشير الاحصاءات إلى أنَّ مليون لبناني غادروا بلدهم، بسبب إغراءات العمل في الخارج والدولة تساهم في ازدياد هذه الهجرة، والدول الأخرى تقبل عليها.
أمّا لماذا يحمّل المعنيون بهجرة الأدمغة “الدولة”، أي السلطة الحاكمة (منذ إتفاق الطائف) هذه المسؤولية في إبعاد المثقفين والكفاءات عن البلاد؟ يجيب د. جواد عدرا على ذلك بالقول: «من خطورة هجرة الأدمغة أنها الطريقة الفضلى لتنفيس الضغط عن السياسيين عبر تصدير الكفاءت إلى الخارج، مقابل إستقدام يدّ عاملة رخيصة بظروف مهينة، ولولا ذلك لكان اللبناني ضغط على السياسيين لتحسين وضعه».
ويضيف عدرا أن الهجرة ليست حالة تستوجب المعاداة، فالموقف المعادي يجب أن يطال سياسات الحكومات المتعاقبة لعدم إحساسها بمسؤولياتها عن 25 ألف طالب يتخرجون سنوياً دون الحصول على عمل.
ولعلّ من أهم أسباب سياسات الحكومات المتعاقبة على هذا الصعيد هو في “التبعية الثقافية”، لكلّ ما هو غير وطني، خصوصاً على صعيد استيراد الحداثة والتقنية التي تقوم على أساس تفضيل الكفاءات الأجنبية من الدرجة الثالثة وما دون، على مثيلاتها الوطنية ذي الكفاءات العالية من الدرجة الأولى، واستخدامها في المشاريع الإعمارية والإنمائية، مع ما يترتب من تداعيات على الصعيدين المادي والمعنوي للطاقات الوطنية الكفوءة، التي تتجه إلى الهجرة المتنفس الوحيد لطموحاتها الإبداعية وهذا ما تريده، بالضبط، السلطة المتحكمة بإدارة البلاد، واستغلال ثرواتها، واحتكار مقدراتها. فهي سلطة، تقبض عليها طبقة سياسية عفنة تسودها الفوضى وتتسم باللامسؤولية، تحكم ولا ترعى، تأخذ ولا تقدم، تأمر ولا تقود، تقدّر العدد أكثر من النوعية، وتحل الجهل محل الحكمة، لا تثق بالمقدرة والكفاءة والمواهب، تخاف من المعرفة والحق، شعارها الملك أساس العدل.
يرد د. عطوف ياسين أمر هذه التبعية إلى عقدة النقص التي تعاني منها بعض الفئات الحاكمة التي تتمثل دوماً في ذلك الشعور بأنّ الأجنبي مهما تكن مؤهلاته أو خبراته فهو دائماً الأفضل… ونضيف ولو كان ذلك الأجنبي من الخبراء المنبوذين في بلادهم نتيجة تدني درجة مؤهلاته وخبراته، مما دفع بدولته إلى تصديره إلى الخارج، خصوصاً إلى الدول الفاقدة الثقافة الوطنية والقومية.
تختصر السفيرة البريطانية جين ماريوت في تقريرها عن التعليم في العالم العربي في مجلس العموم البريطاني، حالة “النظام التعليمي”، المدهش الذي يؤدي إلى تهجير الأدمغة من مجتمعاتنا في مقابل “قيادة” البلاد والعباد من قبل الجهلة والأميين الذين لم يدخلوا المدارس يوماً، ومع هذا “أصبحوا شيوخ قبائل يأتمر الجميع بأمرهم” .
تقول السفيرة ماريوت : النظام التعليمي في العالم العربي يؤدي إلى مفارقات مدهشة في الخريجين. فطلاب الدرجة الأولى من الأذكياء يذهبون إلى كليات الطب والهندسة، بينما خريجو الدرجة الثانية فيذهبون إلى كليات إدارة الأعمال والاقتصاد وبذلك يصبحون مدراء لخريجي الدرجة الأولى، في حين خريجو الدرجة الثالثة يتجهون للسياسة فيصبحون ساسة البلاد، ويحكمون خريجي الدرجتين الأولى والثانية، أمّا الفاشلون في دراستهم فيلتحقون بالجيش والشرطة. أمّا المدهش حقاً فهو أنّ الذين لم يدخلوا المدارس أصلا يصبحون شيوخ قبائل يأتمر الجميع بأمرهم.
أبعد من هذا نسأل: لماذا يستفيد المتحكمون بالشعب من هجرة الأدمغة؟ والجواب إنّ إبعاد الأدمغة والشباب المثقف المنتج عن مركز القرار والوظائف القيادية في السلطة هو ما يتمسك به ويستشرس في الدفاع عنه طغمة من السياسيين الفاسدين المُفسدين الذين يسعون إلى إفشال كلّ محاولات إقامة الدولة القوية العادلة التي تقوّض مراكز نفوذهم، وتقصيهم بعيداً عن إدارة شؤونها.
كان أرسطو يعلّم: لن يكون الحكم صالحاً، إلا في دولة حكماؤها حكامها. إنّ إدارة الدولة مسألة تحتاج إلى أفكار أعظم العقول وأحسنها، إذ كيف يمكن إنقاذ مجتمع أو جعله قوياً، إلا إذا تولى أحكم رجاله وأعقلهم. ولن يكون الحكم صالحاً إلا في دولة حكماؤها حكامها.
ستبقى الحرب قائمة بين الحكام الجهلة الظالمين الفاسدين وبين الحكماء المثقفين العادلين المنقذين، حتى قيام الدولة التي قال عنها الفيلسوف أبو العلاء المعري إنّ الحكام هم موظفون عند مواطنيهم :”إنّ الموظفين اجراء الرعية استأجرتهم بما تدفعه من الضرائب والمكوس، ليؤدوا ما تكلفهم به من الأعمال، فإذا لم يؤدوها على خير الوجوه، وإذا لم يراعوا في إدائها القسط والعدالة، كان للرعية أن تحرمهم من أجورهم، وتسترد منهم مناصبهم.
ظلموا الرعية واستجاروا كيدها فعدوا مصالحها، وهم أجراؤها.
في هذا الوقت الذي يدخل فيه العالم “عصر القوّة المعرفية” غير المحدودة، عصر صراع الأدمغة، للسيطرة على موارد هذا الكون واستخدامه لمصالح الأمم الحيّة، في هذا الوقت العصيب تتطلع الأمة إلى قادة الفكر فيها لإنقاذها من الويلات التي تتخبط فيها، وانتشالها من قبر التاريخ، والسير بها نحو قمم الإصلاح والتقدم والعز والخلود. وإنّنا على ثقّة تامة أنّ في هذه البلاد من الأدمغة الحكيمة الواعية المتنورة القادرة على إنقاذ هذه الأمة واستعادة دورها الرسولي الريادي في بناء حضارة المعرفة والعدالة والسلامة للإنسانية جمعاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى