أمكنة

راقصة الكستناء

عنبرة علامة

منذ طفولتي، وكنت ما زلت في الخامسة من العمر، كنت «أحرج» والدي الطبيب عندما كنت أرافقه أثناء زياراته إلى الصيدليات لشراء الأدوية أو للإستفسار عن أخرى جديدة في سوق الدواء وذلك بهدف تأمين حاجة مرضاه .

أمَّا لماذا الحرج؟ فالسبب ملاقط بائعي الكستناء وعرانيس الذرة المشوية، لقد كانت طقطقاتها للفت انتباه الزبائن بإيقاع لا يزعج الاسماع ويحرّك الشهية، إلا أنني عندما كنت أسمعها اهتز لها، والتقط منها موسيقى فرحة، ما يُحفزني أنا الطفلة على الرقص العفوي التلقائي، فأبدأ بالقفز كالقبوط الصغير وأنا ممسكة بيد أبي، فأدور على نفسي، أسرع الخطى إلى الأمام ثم إلى الوراء. أعرقل خطوات والدي المحرج و«أفركشه»، بينما هو يشدّ بقبضته على يدي الصغيرة لتثبيتي وثنيي عن ذلك، وأنا لا أرتدع إلا عندما تبتعد عن مسامعي “معزوفات” بائعي الذرة والكستناء، سمفونيات ما تزال في الذاكرة، وكم كانت كثيرة ومتكررة على كورنيش البحر وأماكن التنزه ، أخبرت عنها بناتي يوم صرت أمّا، ولا عجب أن أكتشف في «أوراكهن «وراثة جينية أصيلة إنتقلت إليهن من «رحمي». !!!

مدرس الباليه في المدرسة الإنجيلية الفرنسية حيث درست بناتي، الأستاذ شمعة، كتب في إحدى المرّات ملاحظة على دفتر إبنتي الكبرى نعمت في الخانة المخصصة لدروس الإيقاع «rythmiques» مفادها أن «نعمت ولدت فنانة راقصة» ،«Artiste nee»… لتميزها بإداء الباليه على مسرح المدرسة، كما والرقصات الفولكلورية الفرنسية والهندية واللبنانية في مهرجانات نهاية السنة المدرسية، أو حفلات الكرمس (kermesse)…

موهبة الرقص لم تقتصر على نعمت بل امتدّت إلى أختها الوسطى فرح والصغرى زينب.  وما من عجب لحبهن للفن وللرقص الإيقاعي فوالدهن مبدر علامة هاو «عنيد» للطرب الأصيل، قديمه وجديده، والموسيقى العالمية، كانت تصدح في البيت من مكتبته الموسيقية الزاخرة بروائع الطرب والموسيقى الراقصة والكلاسيكية لعمالقة الفن العالمي، تتحول المكتبة إلى مرقص لبناتي الثلاث يتنافسن «هزا وخلعا» شرقياً كان أم أجنبياً، وبإتقان ملفت قد تغار منه «الراقصات الممتهنات». !!! ويعج أرشيف الصور في المكتبة بألبومات الراقصات الصغيرات وبفيديوهات لهن بمناسبات مختلفة من أعياد ميلاد وغيرها.

لم يُخطىء المثل الشعبي القائل من إن «فرخ البط عوام»…!!! والبط هنا، يشملني أنا وحبيبي سابقاً، وزوجي لاحقاً  مبدر، فمذ عرفته أعجبت بإجادته ببراعة ومهنية «رقصة العصا» المصرية الصعيدية، يضاهي بها كبار «عمدة» الصعيد بلا منازع… هكذا، وكي يكون العرض الراقص مستكملاً عناصر الإبداع كافة، خاطت والدة زوجي لبناتي غلاّلات رقص شرقية من أروع أنواع الحرير. كم تمايلن بها في حفلات أعياد ميلادهن وحفلات أصدقائِهن، والتصفيق الحار إستحسانا يدوي في الأمكنة…

وأعود إلى «عنبرة»، لأقول أنه خلال  سنوات الصغر والمراهقة والصبا،  لازمني الرقص في كل المناسبات وكل الأماكن،  وعلى إيقاعات أية موسيقى كانت، فالمزاج فرح، والخصر مغناج ومطواع، والرقص متقن يستحق الإمتهان، ولو كان ذلك في الغرب، أو أوروبا، لكنت قد أصبحت ربما من «مشاهير علب الليل الراقية»، أو خشبات الأوبرا العالمية.

ومما أذكر أنه في سهرة عزف كان نجمها الراعي البدوي الأمي «مطر محمد»، عازف البزق الشهير الذي تبنته مؤسسة الإنعاش الإجتماعي لعزفه  العفوي والفطري المذهل، فقدمته على مسرح الكوليدج هول في الجامعة الأميركية، وخشبة مسرح فندق فينيسيا، فحصد شهرةً واسعة وأصبح الطلب عليه كبيراً يعم أماكن السهر في كل المناطق اللبنانية… فأثرى، وساقه السهر إلى إدمان الخمر ومعاقرة المهلوسات، فانتهى به الأمر إلى نهاية مأساوية.

ليلتها، وبينما كان الراعي محمد مطر يعزف، يدغدغ أوتار بزقه بحنان وشغف، وجدت نفسي، وبدون تفكير مسبق، منساقة إلى وسط حلبة الرقص، فاردة أذرعي، كطير تحرر من القفص، يحلق بابتهال نحو الأعالي، أو كفراش تائه في حقل ربيعي هائماً فوق رؤوس البتلات العطرة، يراقص شعاعات النور، في ابتهال صوفي لرقة العزف وشجنه.

لم يتوقف التصفيق، لم أعرف لحظتها إذا كان لي أو للعازف ، وكان يُصرّ الحاضرون على الإعادة… ففوجئت بأحدهم يسألني عن إمكانية التعاقد معه لتقديم وصلات رقص راقية كل جمعة وسبت من الإسبوع!!!… هذا العرض عزز معنوياتي الأنثوية، بقدر ما أضرم  نيران الغيرة والرفض في رأس زوجي مبدر الذي قاطع السهرة، فغادرنا المكان،  وحبيبي يلومني ويؤنبني ، وكان عقابي بعدم الرقص لاحقاً وإطلاقا في الأماكن العامة…

قبلها، في العام 1960 جال على المدارس الخاصة والرسمية الثنائي الزوجان وديعة حداد ومروان جرار بهدف انتقاء تلامذة من ذوي الأداء الرياضي الجيد، للمشاركة في احتفالات إفتتاح «مدينة الرئيس كميل شمعون الرياضية» وكانا  مكلّفان رسمياً  من قبل وزارة التربية لتدريب نحو خمسة آلاف طالب وطالبة من الصفوف التكميلية (المتوسطة). الافتتاح كان بحضور العاهل السعودي جلالة الملك عبد العزيز بن سعود وعدد كبير من الرؤساء والزعماء من مختلف الدول العربية والأجنبية.

كنت من بين من وقع عليهن الإختيار لدى مدرسة الراهبات العازاريات في منطقة كليمنصو للمشاركة في الإحتفال التاريخي الكبير. لا يمكنني نسيان ذلك اليوم، يوم الإفتتاح، تجلى فيه عز لبنان  وقدراته العالمية الراقية على تنظيم المهرجانات الوطنية والإحتفالات الرسمية.

بعد مرور وقت قصير على انتهاء مهرجان الافتتاح، عاود الثنائي وديعة ومروان جرار جولتهما على بعض المدارس وفي حوزتهما لائحة إسمية بتلميذات وتلاميذ سبق أن شاركوا في مهرجان الافتتاح، وحفظتها ذاكرتيهما لمستوى إدائهم المتميز في الرقص، فطلبوا إليهم الإلتحاق  بفرقة الدبكة اللبنانية «فرقة الأنوار» وبتمويل ورعاية من دار الصياد وصاحبها المرحوم سعيد فريحة، أحد أعمدة الصحافة اللبنانية الوطنية، والغاية من ذلك هو المشاركة في إحياء العيد الوطني ل قبرص والذي كان يترأس جمهوريتها البطريرك مكاريوس.

فوجئت بموافقة والدي اللذين سمحا لي الاشتراك مع فرقة الأنوار والسفر لأول مرة في حياتي إلى خارج لبنان والنوم خارج المنزل في فندق بلد غريب مع شلة من الصبايا والشباب ولمدة أسبوع. كانت تجربة رائعة من كل النواحي، إنسانياً واجتماعياً وفنياً وسياحياً، رفعنا للبنان جبهته العالية عزاً وافتخاراً وانتماء… عادت فرقة الأنوار إلى لبنان بعد ذلك النجاح المدوي في قبرص، فكررّت العرض ذاته على مسرح كازينو لبنان في ليلة صدح فيها صوت الكبير وديع الصافي للمرة الأولى بأغنية: «لبنان يا قطعة سما، عالأرض تاني ما إلك»، وبدوي الخشبة تحت أقدام فتيات وشباب رقصوا  للبنان، لعزه، وكرامته، وفرادته…

مرت السنوات، ورمت الأقدار بعنبرة على شاطىء الصندوق (موظفة في الصندوق الضمان الاجتماعي)، اختارته ميناءً للأمان والحب…

في هذه المؤسسة، استمرت عنبرة «راقصة الصندوق» على الحلبات في كل المواقع والمناسبات. وكم أحمد الله أن غالبية الزملاء، من رؤساء ومرؤوسين كانوا من محبي «الطقش والفقش»، تجود مواهبهم بسخاء في احتفالات نقابة الصندوق في ليلة رأس السنة، «فاليوم خمر وغداً أمر»، لا يأبهون لانتقاد من رئيس أو مرؤوس، فالهيبة الإدارية بعد الإحتفال الطربي الراقص مصانة وخط أحمر، وبالتالي يسهل تطبيق القول: «ساعة البسط لا تفوتها». وهكذا كان لي شرف مراقصتي في ليلة “ضمانية” ساهرة وعامرة من قبل المدير العام إبراهيم حمدان، دعاني لإفتتاح الحلبة على أنغام موسيقى الفالس، كشفت عن مواهب  فارس  أنيق الحركة والإداء ألهب الصالة تصفيقاً…

صور «أيام الأنس والأمان في الضمان» تملأ الذاكرة والألبومات على رفوف مكتبة مبدر علامة الموسيقية والأدبية، نسترجع من خلالها ذكريات الصبا والشباب المتوثب للحياة والعطاء… هي «كل العمر، وأحلاه»…

ما زلت لليوم أتمالك نفسي حين أصادف في الشوارع بائعي عرانيس الذرة والكستناء، فتحضرني قبضة يد والدي تقمع تفاعلي مع سمفونيات الطقطقة تطلقها الملاقط العازفة، فتدمع عيني، أفتقد حبيبي مبدر يشاركني إيقاعات الحب على حلبات الحياة الراغدة، فبعد سفره الطويل عني، سأبقى أرقص أمام صوره وأشيائه في بيتنا «كالطير يرقص مذبوحاً من الألم»…!!!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى